الحاسي: مدينة قورينا كنز حضاري عالمي يعاني من الإهمال والحفر العشوائي

قورينا من أبرز مواقع التراث العالمي والسياحة الأثرية في ليبيا ما تزال دون مستواها

ليبيا – قال الأكاديمي والخبير في إدارة التراث الأثري بجامعة عمر المختار، وعضو مجلس إدارة مصلحة الآثار الليبية أحمد الحاسي، إن مدينة قورينا تُعد من أبرز المواقع الأثرية على مستوى العالم، نظرًا لما تختزنه من تاريخ عريق وتنوع حضاري يجعلها نموذجًا فريدًا في المشهد الأثري الليبي والدولي.

موقع حضاري متعدد الطبقات

وأوضح الحاسي، في حديثه لوكالة “سبوتنيك”، أن قورينا أُسست في العهد الإغريقي، لكنها لا تُصنف كموقع إغريقي خالص، بل تمثل نموذجًا حضاريًا مختلطًا يجمع بين الطابعين الإغريقي والروماني، إلى جانب معالم تعود إلى الفترتين العثمانية والإيطالية.

وأشار إلى أن الموقع يتمتع بقيمة استثنائية، كونه أحد مواقع التراث العالمي المسجلة لدى منظمة اليونسكو منذ عام 1982، وهو الموقع الوحيد المدرج ضمن هذه القائمة في إقليم برقة.

معالم فريدة ومكانة تاريخية

وأضاف الحاسي أن قورينا تحتضن معالم فريدة لا نظير لها، من بينها بقايا مصنع نبات السلفيوم الشهير، ومعبد زيوس الذي يتميز بخصائص معمارية استثنائية، فضلًا عن المقابر الضخمة المحيطة بالمدينة، ما يجعلها موقعًا متفردًا من حيث فنون العمارة والنحت وقيمة التراث الإنساني الذي يعكسه.

وبيّن أن المدينة تُعد أول مستوطنة حضرية في إقليم برقة، وقادت الحضارة الإغريقية في ليبيا، مشيرًا إلى أنها شهدت تحولات تاريخية مهمة، من بينها انتقال الحكم من الإغريق إلى الرومان، مع احتفاظها بطابعها الثقافي الإغريقي، وهو ما تؤكده الأدلة الأثرية المكتشفة.

ضعف الترويج السياحي والبنية التحتية

وفيما يتعلق بالقطاع السياحي، أكد الحاسي أن الموقع، رغم أهميته العالمية، لم يحظَ بالاهتمام الكافي من حيث البنية التحتية أو التسويق، لافتًا إلى ضعف الترويج للتراث الأثري الليبي على المستوى الدولي، ما أدى إلى جهل كثير من دول العالم بما تزخر به ليبيا من مقومات سياحية.

وأضاف أن القطاع السياحي لم يشهد فترات انتعاش حقيقية تتناسب مع قيمة هذه المواقع، مقارنة بنظيراتها في دول أخرى، مشيرًا إلى أن مساهمة السياحة في ليبيا ما تزال محدودة جدًا في الناتج الوطني.

تحسن أمني محدود وزيارات دون المأمول

ولفت إلى أن التحسن في الوضع الأمني بإقليم برقة سمح بعودة زيارات محدودة لبعض الوفود والجماعات السياحية، إلا أن ذلك لا يزال دون المستوى المطلوب، مشددًا على ضرورة وضع خطة وطنية شاملة للنهوض بالقطاع السياحي وتحويله إلى رافد اقتصادي مهم.

إهمال مزمن وتفاقم الانتهاكات

وحول واقع التراث الأثري، أوضح الحاسي أن هذا القطاع عانى من الإهمال حتى قبل عام 2011، واستمر ذلك خلال مختلف المراحل السياسية، ما انعكس سلبًا على أوضاع المواقع الأثرية.

وأكد أن ضعف الدعم للمؤسسات المعنية، ومنها مراقبة آثار شحات، أسهم في تفاقم الانتهاكات، مثل التجريف والتخريب والحفر العشوائي، فضلًا عن سرقة القطع الأثرية، حتى من داخل المواقع المحمية.

أوضاع متردية في المتاحف ونقص حاد في الكوادر

وأشار الحاسي إلى أن المتاحف تعاني من أوضاع متردية، في ظل غياب الإمكانيات اللازمة للحفظ والصيانة، رغم الجهود المبذولة لتوثيق القطع الأثرية. كما لفت إلى أن الأوضاع الأمنية والسياسية التي مرت بها البلاد أسهمت بشكل كبير في تدهور حالة المواقع الأثرية وجعلتها عرضة لمخاطر متزايدة.

وأضاف أن هناك نقصًا حادًا في الدعم المادي والموارد البشرية، رغم وجود تشريعات تنظم العمل، موضحًا أنه لم تُنشأ مخازن حديثة، ولم تُصن المباني الإدارية، إلى جانب غياب التعيينات منذ أكثر من 15 عامًا، ما أدى إلى فجوة كبيرة في الكوادر، من الحراس إلى المرممين.

غياب الرؤية الاستراتيجية

كما أشار إلى ضعف الإمكانيات اللوجستية، إذ يضطر العاملون إلى استخدام وسائلهم الخاصة للتنقل، في ظل بنية تحتية متهالكة ومقار عمل غير مؤهلة.

وأكد الحاسي في ختام تصريحه غياب رؤية واضحة أو خطط استراتيجية لتطوير قطاعي السياحة والآثار، لافتًا إلى أن العمل الحالي يقتصر على الجوانب التوثيقية والإدارية، دون إطلاق مشاريع تنموية حقيقية، ما أدى إلى فقدان عدد من المواقع الأثرية وتفاقم التحديات التي تواجه هذا القطاع.

Shares