الديباني: المبادرة الأمريكية أكثر واقعية لاعتمادها على القوى الفاعلة على الأرض
ليبيا – رأى المحلل السياسي عبد الله الديباني أن ليبيا تعيش منذ سنوات داخل دائرة مفرغة من المبادرات السياسية التي تُطرح ثم تتعثر، ليس فقط بسبب غياب الإرادة الدولية الحقيقية للحل، وإنما نتيجة تشابك العوامل الداخلية والخارجية معًا.
مقاربة مختلفة للمبادرة الأمريكية
وقال الديباني في تصريح لوكالة “سبوتنيك” إن المبادرة الأمريكية الأخيرة تبدو مختلفة نسبيًا عن سابقاتها، لأنها تنطلق من مقاربة أكثر واقعية تقوم على التعامل مع القوى الفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها القيادة العامة للقوات المسلحة، باعتبارها المؤسسة الأكثر تنظيمًا وقدرة على فرض الاستقرار ومحاربة الإرهاب والحفاظ على وحدة البلاد، بحسب قوله.
أسباب تعثر المبادرات السابقة
وأكد أن تعدد المبادرات السياسية في ليبيا دون الوصول إلى حل نهائي يعود إلى عدة أسباب، أبرزها أن أغلب المبادرات السابقة ركزت على تقاسم السلطة بين الأجسام السياسية، بينما تجاهلت معالجة جذور الأزمة الحقيقية، وفي مقدمتها غياب مؤسسة وطنية موحدة قادرة على فرض الأمن، إلى جانب تضارب المصالح الدولية والإقليمية داخل ليبيا، واستمرار بعض القوى السياسية في الاستفادة من حالة الانقسام والفوضى، فضلًا عن غياب آلية واضحة لتنفيذ الاتفاقات وضمان الالتزام بها.
واعتبر أن العديد من المبادرات الأممية بُنيت على تسويات هشة منحت شرعية لأطراف لا تمتلك تأثيرًا حقيقيًا على الأرض، مقابل تهميش المؤسسات العسكرية والأمنية التي لعبت دورًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار، خاصة في الشرق والجنوب بقيادة المشير خليفة حفتر.
إشراك الأطراف الفاعلة
وأشار الديباني إلى أن المبادرة الأمريكية اكتسبت اهتمامًا متزايدًا لأنها، بحسب عدد من المحللين والسياسيين الليبيين، تتجه نحو إشراك الأطراف الفاعلة فعليًا بدل الاكتفاء بالحلول النظرية أو التفاهمات الشكلية.
وبيّن أنه لا يمكن إنكار أن التدخل الدولي كان أحد أبرز أسباب تعقيد الأزمة الليبية، موضحًا أنه منذ عام 2011 تحولت ليبيا إلى ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية، إذ دعم كل طرف حلفاءه بما يخدم مصالحه السياسية والاقتصادية والعسكرية، ما أدى إلى إطالة أمد الصراع بدل إنهائه، وظهور حكومات ومؤسسات متوازية، وتعطيل إجراء الانتخابات، وتكريس الانقسام بين الشرق والغرب، إضافة إلى دعم جماعات مسلحة خارج إطار الدولة.
المسار الأمني والعسكري
وفي المقابل، اعتبر الديباني أن القيادة العامة للقوات المسلحة برزت كعامل توازن مهم، خاصة بعد نجاحها في القضاء على التنظيمات الإرهابية في بنغازي ودرنة ومناطق واسعة من الشرق، وهو ما ساهم في إعادة جزء مهم من الاستقرار ومهّد لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
كما أشار إلى أن لجنة 5+5 العسكرية أثبتت أن المسار الأمني والعسكري كان الأكثر نجاحًا مقارنة بالمسارات السياسية الأخرى.
غياب التوافق المحلي
وأوضح أن المبادرات المطروحة تعاني من غياب التوافق المحلي الحقيقي بين الأطراف الليبية، معتبرًا أن هذه من أكبر المشكلات التي واجهت مسارات التسوية السابقة، إذ إن كثيرًا من المبادرات صيغت خارج ليبيا أو فُرضت بإرادة دولية دون بناء توافق وطني حقيقي، لذلك كانت الاتفاقات تنهار سريعًا عند أول اختبار ميداني.
وأضاف أن بعض الأطراف السياسية لا تزال تنظر إلى التسوية باعتبارها وسيلة للبقاء في السلطة، وليس لإنهاء الأزمة، بينما يحتاج الليبيون اليوم إلى مشروع وطني يقوم على توحيد المؤسسات، وإنهاء نفوذ الميليشيات، ودعم الجيش والمؤسسات الأمنية، والذهاب إلى انتخابات تحت مظلة أمنية مستقرة.
ثلاث ركائز للتسوية
وأشار الديباني إلى أن المبادرة الأمريكية تبدو أكثر واقعية لأنها تحاول فتح حوار مباشر بين القوى المؤثرة فعليًا على الأرض، مع وجود دعم دولي أوسع لفكرة التوصل إلى تسوية تضمن الاستقرار أولًا، ثم الانتقال السياسي لاحقًا.
وأكد أن المسار الأكثر واقعية لا يتمثل في إعادة تدوير الأجسام السياسية نفسها، وإنما في بناء تسوية تعتمد على ثلاث ركائز أساسية، تشمل توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية باعتبار أن أي عملية سياسية دون أمن واستقرار ستظل معرضة للانهيار، وتفكيك نفوذ الميليشيات المسلحة وإخضاع السلاح لسلطة الدولة فقط، والذهاب إلى انتخابات حقيقية بضمانات دولية ومحلية بعد توفير بيئة آمنة تسمح بقبول نتائجها.
فرصة بزخم دولي
وأكد الديباني أن المبادرة الأمريكية تمثل فرصة مهمة لأنها تحظى بزخم دولي وتتعامل بواقعية مع موازين القوى الحالية داخل ليبيا، إلى جانب إدراك واشنطن أن استقرار ليبيا يرتبط مباشرة بأمن البحر المتوسط والطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب.
وشدد على أن أي تسوية قابلة للحياة تحتاج إلى الاعتراف بالدور المحوري الذي لعبته القيادة العامة للقوات المسلحة في حماية وحدة الدولة ومحاربة الإرهاب، باعتبارها طرفًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية أو أمنية مستقبلية.

