قرار تغيير رئيس المخابرات يواجه طعنًا في شرعيته بعد نفي الكوني وتمسك البرلمان باعتماده
ليبيا – أثار تحرك رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لتغيير قيادة جهاز المخابرات الليبية أزمة قانونية ومؤسسية، بعدما نفى نائبه موسى الكوني وجود أي توافق داخل المجلس على القرار، في وقت أكد فيه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن تعيين رئيس الجهاز أو إعفاءه لا يصبح نافذًا من دون اعتماد البرلمان وفق التشريعات المنظمة للمؤسسة.
وتضع المواقف المعلنة قرار المنفي أمام إشكاليتين أساسيتين؛ الأولى تتعلق بآلية اتخاذ القرار داخل المجلس الرئاسي بوصفه سلطة جماعية، والثانية باشتراط اعتماد مجلس النواب لأي تغيير يطال قيادة جهاز المخابرات.
بيان باسم المجلس وإجماع محل نزاع
بدأ الجدل عقب صدور بيان باسم المجلس الرئاسي في الـ28 من يونيو الجاري، قال إن اجتماعًا عُقد بناءً على دعوة سابقة في ظل استمرار تغيب موسى الكوني لوجوده خارج البلاد.
وأضاف البيان أن المجلس ناقش البنود المدرجة على جدول الأعمال وصادق بالإجماع على القرارات المعروضة، مستندًا إلى مسؤولياته الدستورية والسيادية وصفته بوصفه رئاسة الدولة والقائد الأعلى.
ولم يتضمن البيان المنشور تفاصيل القرارات أو أسماء المناصب التي شملتها، لكنه شدد على حق رئاسة الدولة في اتخاذ الإجراءات المتصلة بأعمال السيادة، وربط ذلك بضرورة عمل مؤسسات الدولة من مقارها الرسمية في طرابلس.
غير أن رواية الإجماع لم تصمد طويلًا أمام بيان الكوني، الذي نفى ما ورد بشأن غيابه أو موافقته على القرارات المطروحة.
الكوني: شاركت ورفضت المقترحات
أكد الكوني أنه شارك في الاجتماع عبر وسائل الاتصال التقنية عند الساعة الواحدة ظهرًا، بعد توجيه الدعوة إليه مسبقًا، ما يناقض بصورة مباشرة ما ورد في بيان المجلس بشأن تغيبه.
وكشف أن الاجتماع تناول مقترحات لتسمية رئيس لجهاز المخابرات العامة ورئيس للأركان العامة، مشيرًا إلى وجود إصرار على تمريرها رغم عدم التوصل إلى اتفاق بشأنها.
وشدد الكوني على أنه لم يوافق على أي من المقترحات، وأن الاجتماع لم ينتهِ إلى قرار محل توافق أو إجماع وفق الآليات القانونية المنظمة لعمل المجلس الرئاسي.
وبذلك لم يعد الخلاف متعلقًا بتفسير سياسي للقرار، بل بواقعة جوهرية تتصل بوجود العضو الثالث في الاجتماع وتصويته الفعلي، وهي واقعة تنفي، وفق إفادة الكوني، وصف القرارات بأنها صادرة بالإجماع.
سلطة جماعية لا قرار فردي
تمسك الكوني بأن المجلس الرئاسي يمارس اختصاصاته باعتباره سلطة جماعية، وأن القرارات، لا سيما المتعلقة بالمناصب السيادية، لا تكتسب أثرًا قانونيًا أو مؤسسيًا إلا بعد مناقشتها وإقرارها وفق الإجراءات المعتمدة وإثباتها في محضر رسمي.
ووصف نسبة مواقف أو موافقات إليه لم تصدر عنه بأنها مخالفة جسيمة لمقتضيات المسؤولية المؤسسية وتضليل للرأي العام وإضرار بمصداقية المجلس.
كما أعلن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه أي قرارات أو توصيات صدرت بالمخالفة، واعتبارها كأن لم تكن.
ويعزز هذا الموقف الاعتراض القائل إن صفة المنفي رئيسًا للمجلس لا تمنحه صلاحية الحلول محل المجلس مجتمعًا، أو إصدار قرار سيادي منفرد في ملف لم يحصل على موافقة أعضائه وفق آلية التوافق.
عقيلة صالح يدخل على خط الأزمة
من جانبه، حذر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح من إقحام الأجهزة الأمنية السيادية في المناكفات والتجاذبات السياسية، مؤكدًا أن حساسية هذه المؤسسات تقتضي النأي بها عن الصراعات حفاظًا على مهنيتها واستمرارها.
ورأى صالح أن إثارة ملف تغيير رؤساء الأجهزة في هذا التوقيت قد تسهم في خلط الأوراق وإرباك المشهد العام وخلق أزمات جديدة وتعميق الانقسام، بما يعرقل الجهود الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة والوصول إلى الانتخابات.
ودعا إلى الامتناع عن اتخاذ قرارات غير مدروسة تمس المؤسسات السيادية أو تزج بها في الخلافات السياسية.
اعتماد البرلمان شرط للنفاذ
وقدم صالح اعتراضًا قانونيًا أكثر تفصيلًا في مراسلة وجهها إلى رؤساء ومديري أجهزة المخابرات في الدول الصديقة والشقيقة.
وأوضح أن مجلس النواب أقر منذ أكثر من 3 سنوات تعديلات جوهرية على التشريعات المنظمة لجهاز المخابرات، تنص على أن تعيين رئيس الجهاز أو إعفاءه لا يكون نافذًا إلا بعد عرضه على مجلس النواب واعتماده خلال جلسة رسمية مكتملة النصاب بحضور ما لا يقل عن 120 نائبًا.
وبحسب المراسلة، يهدف هذا الشرط إلى ضمان صدور القرارات المتعلقة بالمناصب السيادية والأمنية العليا عن إرادة وطنية واسعة، بدلًا من انفراد جهة أو شخص باتخاذها.
وعليه، فإن أي قرار صادر عن المجلس الرئاسي، حتى بافتراض سلامة إجرائه داخليًا، يظل وفق موقف مجلس النواب بحاجة إلى الاعتماد البرلماني قبل أن ينتج أثره القانوني.
رواية المنفي أمام تناقض موثق
يضع بيان الكوني الرواية المنشورة باسم المجلس الرئاسي أمام تناقض واضح؛ إذ قال البيان إن العضو كان متغيبًا وإن القرارات اعتُمدت بالإجماع، بينما أكد الكوني مشاركته ورفضه الصريح للمقترحات.
ولا يتعلق هذا التناقض بتفصيل ثانوي، لأن إثبات حضور الكوني واعتراضه يهدم الأساس الذي قدمت به القرارات للرأي العام باعتبارها صادرة بإجماع المجلس.
كما أن عدم نشر محضر رسمي معتمد يوضح الحضور والمداولات وكيفية التصويت يزيد الغموض بشأن الأساس الإجرائي الذي استُخدم لإعلان القرار.
اختصاصات القائد الأعلى لا تلغي آلية المجلس
استند بيان المجلس الرئاسي إلى صفة رئاسة الدولة والقائد الأعلى في تبرير اتخاذ قرارات تتصل بأعمال السيادة.
إلا أن الاعتراض المقابل يفرق بين امتلاك المجلس الرئاسي للاختصاص وبين الكيفية القانونية التي يمارس بها هذا الاختصاص؛ فالمجلس، وفق موقف الكوني، هيئة جماعية لا تختزل في رئيسه، ولا تتحول صلاحياته المشتركة إلى صلاحيات فردية لمجرد تعلق الملف بأعمال السيادة.
كما أن القواعد المنظمة لجهاز المخابرات، وفق موقف مجلس النواب، تضيف مرحلة قانونية أخرى تتمثل في وجوب اعتماد التعيين أو الإعفاء داخل البرلمان.
مخاطر فرض أمر واقع
حذر مجلس النواب في مراسلته من محاولات فرض تغييرات داخل الجهاز بغطاء تنفيذي أو بقوة الأمر الواقع، معتبرًا ذلك مساسًا بالمشروعية واستقلال المؤسسات السيادية.
وأكد أن القيادة التي يعترف بها البرلمان تستمد شرعيتها من القانون النافذ والإجراءات الدستورية، وأنها تستطيع ممارسة مهامها من أي مدينة ليبية إلى حين بسط سلطة الدولة على كامل البلاد.
ويكشف توجيه المراسلة إلى أجهزة المخابرات الأجنبية أن الخلاف تجاوز الإطار الداخلي إلى محاولة حسم الجهة التي ينبغي للمؤسسات الخارجية التعامل معها بوصفها القيادة القانونية للجهاز.
احتمال انقسام المؤسسة
قد يؤدي الإصرار على تنفيذ قرار مختلف عليه إلى وجود قيادتين تدعي كل منهما الشرعية، إحداهما تستند إلى قرار مدعوم من رئيس المجلس الرئاسي، والأخرى إلى التشريعات وموقف مجلس النواب.
ومن شأن هذا الوضع أن يربك عمل الجهاز وعلاقاته الخارجية، ويضاعف مخاطر انقسام مؤسسة أمنية سيادية يفترض أن تعمل بعيدًا عن الصراعات السياسية ومراكز النفوذ.
كما أن تمرير تغيير في قيادة الجهاز من دون توافق داخل المجلس الرئاسي أو اعتماد برلماني قد يحول الخلاف من نزاع قانوني إلى صراع على المقار والصلاحيات والتعليمات.
قرار يفتقر إلى التوافق والاعتماد
استنادًا إلى البيانات والمراسلات المعلنة، يواجه قرار تغيير رئيس جهاز المخابرات عيوبًا جوهرية؛ إذ ينفي أحد أعضاء المجلس الرئاسي موافقته عليه، ويؤكد أنه لم يصدر بالتوافق، بينما يتمسك مجلس النواب بأن نفاذه يتطلب اعتمادًا رسميًا بحضور 120 نائبًا.
وفي غياب محضر معتمد يثبت صدور القرار وفق الآليات القانونية، وغياب موافقة الكوني والاعتماد البرلماني، يبدو التحرك أقرب إلى قرار صادر بإرادة منفردة منه إلى قرار مكتمل الأركان عن المجلس الرئاسي بصفته سلطة جماعية.
ويظل حسم النزاع مرهونًا بإظهار المحاضر الرسمية للاجتماع، وبيان الأساس القانوني للقرار، ومدى توافقه مع التشريعات المنظمة لجهاز المخابرات وآلية اتخاذ القرارات داخل المجلس الرئاسي.

