في قمة الناتو.. ملفات شائكة ومساعٍ لإرضاء ترامب

أنقرة – أنطلقت في العاصمة التركية أنقرة، امس الثلاثاء، فعاليات النسخة الـ36 من قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك من خلال منتدى للصناعات الدفاعية استُهلت به القمة التي تنعقد في ظل ضغوط أمريكية مكثفة لتحقيق توازن أكبر في مجال تقاسم الأعباء بين أعضاء الحلف.

ووصل بعض قادة الحلف إلى أنقرة للمشاركة في القمة، ومن بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي حطت طائرته في أنقرة ظهر امس الثلاثاء، وكان في استقباله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ووفق وكالة الأناضول، فقد انطلقت فعاليات منتدى الصناعات الدفاعية المصاحب للقمة، الذي يركز على الإنتاج العابر للأطلسي والاستثمارات المرتبطة به، وسط توقعات بأن يكون أوسع فعالية صناعية في تاريخ الناتو.

وأشارت الوكالة إلى أن الحلف درج خلال الأعوام الأربعة الماضية على إقامة منتدى الصناعات الدفاعية ضمن الفعاليات الهامشية المصاحبة لقممه، لكنه أدرج المنتدى هذا العام ضمن البرنامج الرسمي للقمة التي تركّز على تعزيز الإنفاق والقدرات الدفاعية الأوروبية، وإبرام صفقات ضخمة لشراء الأسلحة.

ومن المقرر أن يجتمع رؤساء دول وحكومات الحلف في القصر الرئاسي بالعاصمة التركية اليوم الأربعاء، خلال القمة التي تستمر يومين، كما يحتضن القصر الرئاسي امس الثلاثاء فعاليات يشارك فيها وزراء دفاع وخارجية الدول الأعضاء في الحلف.

وبحسب البرنامج الرسمي الذي نشره الحلف، من المنتظر الكشف عن “إعلان مهم” خلال منتدى الصناعات الدفاعية، الذي يشارك فيه نائب الرئيس التركي جودت يلماز، ووزير الدفاع يشار غولر، والأمين العام للحلف مارك روته، حيث سيلقون كلمات خلال فعالياته.

وتأتي هذه القمة بعد عام من تعهّد الدول الأعضاء في الحلف بزيادة ميزانياتها الدفاعية والأمنية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لكل منها بحلول عام 2035 تحت ضغط من ترمب.

وأعلن روته، خلال اليوم الأول من فعاليات القمة، إبرام عقود لتعزيز القدرات الدفاعية للحلف، بما في ذلك عقد مع مجموعة “إيرباص”، التي ستتم إضافة طائرة أخرى من صُنعها لأسطول الحلف متعدد الجنسيات المكوّن من طائرات التزود بالوقود والنقل الجوي.

وكان روته أكد مساء الاثنين أن الدول الأوروبية تفي بوعودها عبر تعزيز الميزانيات العسكرية والتحرك لتحمل مسؤولية أكبر عن الدفاع عن قارتها في مواجهة روسيا.

وأكد الأمين العام للناتو، في تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام بعد وصوله إلى أنقرة أمس الاثنين عشية انعقاد القمة، أن أعضاء الحلف سيكشفون خلال قمتهم في العاصمة التركية أنقرة عن عقود تسليح جديدة بمليارات الدولارات، ليُظهروا للرئيس الأمريكي التزامهم بتعهداتهم الدفاعية.

وأضاف روته: “بعد عام واحد فقط، نرى بالفعل تقدما نوعيا، فالحلفاء الأوروبيون وكندا يستثمرون بالفعل نحو 4% من ناتجهم المحلي الإجمالي في الدفاع والأمن، وسيعرضون خططا واضحة بشأن كيفية تحقيق الهدف النهائي”.

وأشار إلى أن هذا الأمر “يُترجم بـ258 مليار دولار من الاستثمارات الإضافية في عامي 2025 و2026 معا، ونحن نستثمر في أمننا، ونحرص على أن يكون لدينا ما نحتاج إليه لحماية مجتمعاتنا اليوم وغدا، لأن التهديدات التي نواجهها حقيقية، بما في ذلك التهديد الروسي”.

وأكد روته أنه إلى جانب اضطلاع دول أوروبية بمسؤولية أكبر بشأن دفاعها عن نفسها، أصبحت الآن “رأس حربة في توفير الدعم  لأوكرانيا”.

ويسعى القادة الأوروبيون في الحلف إلى تحويل تعهداتهم في مجال التسلح إلى التزامات ملموسة، لتهدئة الرئيس الأمريكي المستاء من فرض دول أوروبية قيودا على استخدام القوات الأمريكية لقواعدها لمهاجمة إيران.

تعزيز القدرات الدفاعية

ويأتي افتتاح أعمال القمة بمعرض ومنتدى للصناعات الدفاعية قبيل بدء جلساتها الرئيسية بهدف مساعدة الحلفاء على تحويل الزيادات السريعة في الميزانيات العسكرية إلى قدرات جديدة، حيث سيكشف القادة عن صفقات أسلحة جديدة تقدر بعشرات المليارات لإثبات التزامهم بالوعود أمام ترمب، وهو ما وصفه دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى -اشترط عدم كشف هويته- بالقول: “لقد حان وقت العرض”.

وفي سياق هذه الجهود، أعلنت كندا أمس الاثنين اختيارها شركة “تيسين غروب مارين سيستم” الألمانية لبناء أسطولها الجديد من الغواصات في برنامج تُقدَّر قيمته بمليارات الدولارات، لتعميق العلاقات الدفاعية مع حلفاء الناتو الأوروبيين.

ضغوط ترمب والملف الإيراني

وكان الرئيس الأمريكي قد غادر واشنطن متوجها إلى القمة في وقت متأخر من مساء الاثنين، يرافقه وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث.

وقبيل أيام قليلة من القمة، واصل ترمب هجومه على الحلفاء واصفا إنفاقهم الدفاعي بأنه “سخيف”، وكتب على منصته “تروث سوشيال” الأسبوع الماضي: “من السخف أن تستمر الولايات المتحدة في هذا المسار الأحادي الجانب في حين أن العلاقة ليست متبادلة. لم يقفوا بجانبنا عندما احتجنا إليهم”.

ويطمح القادة الأوروبيون إلى تجنب أي صدام حاد مع ترمب قد يضرب مصداقية الحلف، خاصة بعد تشكيكه مرارا في إمكانية استمرار واشنطن في الالتزام بحماية حلفائها.

وتشير تقارير إلى أن القادة الأوروبيين يعولون على علاقة ترمب الجيدة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحملة التودد التي يقودها الأمين العام للحلف روته، رغم وجود ملفات شائكة قد تشعل غضبه إثر خلافاته السابقة مع قادة آخرين، آخرهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني.

وفي محاولة لإظهار الرغبة في التعاون بشأن ملف إيران، شكّل الحلفاء الأوروبيون بقيادة فرنسا وبريطانيا بعثة بحرية محتملة للمساعدة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، ونقلت دول سفنا حربية لتكون أقرب للمنطقة، غير أن الوضع يبقى قابلا للانفجار، إذ يفضّل الأوروبيون التريث حتى تتضح معالم الاتفاق الأمريكي مع إيران قبل إرسال قطعهم البحرية.

وتشير التقارير إلى أن قادة الحلف يأملون أن يتبنى الرئيس الأمريكي نبرة تصالحية خلال القمة، بيد أنهم بدؤوا يتقبلون حقيقة تراجع الولايات المتحدة بشكل حتمي عن تحالفها معهم وتحوّل تركيزها نحو منطقة المحيط الهادي ومناطق أخرى.

فقد أعلنت واشنطن مؤخرا تقليص الأصول والقدرات العسكرية التي تضعها تحت تصرف قادة الناتو، معبرة عن رغبتها في أن يتولى الحلفاء زمام المبادرة في الدفاع عن القارة.

ومن المتوقع أن تسعى الدول الأوروبية لإثبات جاهزيتها لتأدية هذا الدور، مع العمل جاهدة على إبقاء ترمب والجيش الأمريكي في التحالف قدر الإمكان.

على صعيد آخر، من المقرر أن ينضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى قادة الناتو، حيث سيحضر عشاء القادة مساء اليوم الثلاثاء، وسيحصل زيلينسكي على التزام من داعميه الأوروبيين بمواصلة تدفق المساعدات العسكرية إلى كييف.

ويسعى زيلينسكي للحصول على تعهدات بمساعدات عسكرية إجمالية بقيمة 140 مليار يورو (نحو 160 مليار دولار)، وحث الحلفاء على اتخاذ “قرارات حاسمة” لتقديم مزيد من صواريخ الدفاع الجوي بعد قصف روسي مدمر أسفر عن مقتل حوالي 30 شخصا.

ويُتوقع أن يعقد زيلينسكي اجتماعا ثنائيا مع ترمب على هامش القمة، يسعى من خلاله لإقناعه بأن كييف بدأت تقلب موازين الحرب لصالحها، وبأن عليه الضغط على موسكو لإعادتها إلى طاولة التفاوض.

المصدر: الجزيرة + وكالات
Shares