«كفى».. غرب ليبيا يخرج من العتمة إلى الشارع وحكومة الدبيبة أمام حصاد سنوات الغضب
ليبيا – لم يكن الثلاثاء 18 أغسطس 2026 يوماً عادياً في غرب ليبيا، ولم تكن الإطارات المشتعلة والطرق المغلقة مجرد رد فعل عابر على انقطاع الكهرباء وانعدام الأمن؛ فما خرج إلى الشارع كان غضباً ثقيلاً تراكم لسنوات، واختلطت فيه العتمة بغلاء الخبز، واختفاء الوقود بتلوث المياه، ونقص الدواء بانعدام السيولة، وانتشار السلاح بغياب الدولة، حتى بدا أن المواطن لم يعد يحتج على أزمة واحدة، بل على حياة “بائسة” كاملة أُجبر على إدارتها وحده.
من تاجوراء وطريق الشط شرقي طرابلس، إلى الحرشة في الزاوية، ومن أولاد طالب وتيجي في الجبل الغربي إلى مصراتة، ارتفع الشعار الأقصر والأكثر دلالة: «كفى». كلمة واحدة اختصرت سنوات من الوعود، ورسالة واضحة إلى “حكومة الوحدة الوطنية” برئاسة عبد الحميد الدبيبة بأن مساحة الاحتمال تضيق، وأن المواطن الذي صبر طويلاً على الانقسام والفساد والميليشيات لم يعد قادراً على احتمال انعدام الأمن وانقطاع الخبز والماء والكهرباء والدواء في وقت واحد.
حين صار الظلام مرآة للدولة
خلال نحو 48 ساعة، شهدت مناطق غرب ليبيا وجنوبها ثلاثة انقطاعات واسعة للكهرباء، بينما تجاوزت ساعات الانقطاع في بعض المناطق عشر ساعات يومياً، بالتزامن مع موجة حر قاسية وحاجة متزايدة إلى التبريد والمياه. ولم تعد الأزمة مجرد عطل فني يمكن احتواؤه بتبديل مسؤول أو إصدار بيان؛ فأزمة نقص الغاز وإنعدام الأمن التي ترتب عليه هروب الشركات الأجنبية، واستهداف منشآت الكهرباء خلال الاشتباكات المتكررة كانت احدى الاسباب الرئيسية لانقطاع الكهرباء وهي أزمات تتحمل مسؤوليتها الحكومة.
وزادت الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة على منشآت الزاوية المشهد قتامة؛ إذ تسببت طائرات محملة بالمتفجرات في حرائق داخل خزانات للوقود، وانهيار خزان بنزين بسعة تقارب 4.5 مليون لتر، فضلاً عن استهداف منشآت كهربائية تركت شركة “جي اي” الأمريكية مواقعها على إثرها، في استهداف مباشر لشبكة كهرباء تعاني أصلاً من الهشاشة، وأظهرت تلك الهجمات كيف يمكن إرباك إمدادات الوقود والكهرباء لملايين السكان، في ظل عجز أمني عن حماية منشآت تمثل شرايين الحياة اليومية.
بلد النفط يبحث عن لتر ديزل
تبدو المفارقة أكثر قسوة في بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، لكنه يترك مواطنيه يطاردون صهريج ديزل في السوق السوداء. فالسعر الرسمي للتر لا يتجاوز 0.15 دينار، بينما تحدث مواطنون عن شرائه بأكثر من ثمانية دنانير عند اشتداد الأزمة. والحساب هنا ليس تفصيلاً اقتصادياً: ثمانية دنانير تعادل أكثر من 53 ضعف السعر الرسمي، بفارق 7.85 دينار في كل لتر، وزيادة تتجاوز 5233%.
هذا الفارق الهائل لا يضيع في الهواء، بل يتحول إلى ثروة تتقاسمها شبكات الاحتكار والتهريب على حساب المواطن والخزينة العامة. ففي الوقت الذي يحصل فيه المهرب على الوقود المدعوم بسعر يكاد يكون رمزياً، يدفع صاحب المخبز والمزارع وسائق النقل والمواطن عشرات أضعافه، ثم تنتقل التكلفة إلى الخبز والخضراوات والنقل وكل سلعة تصل إلى السوق.
وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن، قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، إن ليبيا تنفق نحو مليار دولار شهرياً على استيراد الوقود، بينما تعاني محطات الكهرباء نقصاً فيه، معتبرة أن ذلك يعكس تحويل كميات كبيرة من الوقود المدعوم بعيداً عن وجهتها. إنها معادلة تلخص جزءاً كبيراً من المأساة: الدولة تدفع بالدولار، والمهرب يجني الأرباح، والمواطن يقف في الطابور أو يشتري حقه بأكثر من خمسين ضعفاً.
الرغيف الذي كسر حاجز الصمت
حين يصل الغلاء إلى رغيف الخبز، تتحول الأزمة من أرقام في نشرات الاقتصاد إلى خوف يومي داخل كل بيت. وقد رفعت بعض المخابز سعر الرغيف الطويل إلى 750 درهماً “75 قرش”، وهو سعر وصفه مواطنون بأنه الأعلى في ذاكرتهم المعيشية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الدقيق والديزل وتكاليف التشغيل والانقطاع الطويل للكهرباء. وفي بلد يستورد أكثر من 90% من حاجته من القمح، يصبح أي اضطراب في الاستيراد أو التوزيع أو سعر الصرف تهديداً مباشراً لمائدة الأسرة.
الرغيف في الوعي الشعبي ليس سلعة عادية؛ إنه آخر خطوط الأمان. وحين يصبح توفيره عبئاً، بينما لا يستطيع الموظف سحب راتبه بسبب أزمة السيولة، يدرك الناس أن المشكلة لم تعد في مستوى الرفاهية، بل في القدرة على البقاء. فالمواطن قد يتعايش مكرهاً مع طريق متهالك أو معاملة إدارية متعثرة، لكنه لا يستطيع أن يطلب من أطفاله انتظار إصلاحات الحكومة قبل أن يأكلوا.
حتى الماء والخضراوات لم يعودا موضع ثقة
لم يعد المواطن يخشى سعر الطعام فقط، بل بات يخشى الطعام نفسه. فقد أظهرت نتائج فحوص أعلنها مكتب النائب العام أن نحو 65% من عينات زراعية خضعت للاختبار احتوت على بقايا مبيدات محظورة أو مواد مصنفة دولياً باعتبارها مسرطنة أو مسببة للطفرات، وبعضها تجاوز الحدود المسموح بها. وأدت القضية إلى اهتزاز ثقة المستهلك في الخضراوات والفواكه، حتى تحدث مواطنون عن تقليص شرائها أو الامتناع عن تناول بعضها نيئاً.
أما المياه، فالأرقام أكثر تعقيداً وخطورة. وللدقة، لم يقل المسح العنقودي الذي أنجزته مصلحة الإحصاء والتعداد بالتعاون مع «يونيسف» إن أكثر من 70% من مياه ليبيا ملوثة على المستوى الوطني؛ النسبة المسجلة لتلوث مياه الشرب ببكتيريا «إي كولاي» عند نقطة الاستخدام بلغت 46.4%، مقابل 28% عند المصدر. لكنها تجاوزت 70% في مناطق محددة، وبلغت 91.9% في سرت، و85.1% في الجفرة، و72.4% في المرقب.
وتشير بكتيريا «إي كولاي» إلى تلوث برازي حديث محتمل، قد ينتج من تسرب مياه الصرف، أو قرب الآبار السطحية من الآبار السوداء، أو سوء نقل المياه وتخزينها في خزانات غير نظيفة. أي إن المواطن قد يستلم الماء سليماً نسبياً من المصدر ثم يشربه ملوثاً في منزله، بسبب منظومة كاملة من الإهمال تبدأ بغياب شبكات الصرف أو تهالكها في مناطق واسعة، ولا تنتهي عند صهاريج النقل والخزانات المنزلية.
مريض الأورام بين انتظار الدواء وانتظار الموت
وفي ملف الدواء، لا تحتمل المأساة المبالغة؛ لأن الواقع مؤلم بما يكفي. فرغم إعلان وصول شحنات من أدوية الأورام بين حين وآخر، تتكرر شكاوى المرضى من انقطاع أصناف أساسية واضطراب الجداول العلاجية، ويجد بعضهم نفسه مضطراً إلى شراء الدواء من السوق الخاصة أو السفر إلى الخارج إن امتلك المال، بينما لا يملك آخرون سوى الانتظار.
وقد شهد ملف استيراد أدوية الأورام تحقيقات واتهامات بمخالفات إجرائية وفنية، ما يجعل القضية أكبر من مجرد نقص عابر في مخزن. فالمريض لا يحتاج إلى شحنة تصل أمام الكاميرات، بل إلى منظومة مستمرة تضمن سلامة الدواء وفاعليته وصلاحيته وعدالة توزيعه. وفي الأمراض التي يرتبط فيها نجاح العلاج بدقة المواعيد، قد يتحول تأخر الجرعة من خلل إداري إلى حكم قاسٍ على حياة إنسان.
مرتبات بالدولار للمرتزقة السوريين.. ومخاوف من التوطين
وبينما يبحث المواطن عن دنانيره العالقة في المصرف، تجمعت عناصر من المرتزقة السوريين موجودة في طرابلس أمام كلية ضباط الشرطة للمطالبة بمستحقات مالية متأخرة، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأظهرت مقاطع محلية متداولة مسلحين يطلقون النار في الهواء، فيما تحدثت مصادر محلية عن تدخل وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة عبد السلام الزوبي لإعادتهم إلى معسكراتهم بعد وعود بتسوية المستحقات. ولم تصدر إفصاحات رسمية كافية توضح قيمة الأموال المطلوبة أو مصدرها أو الأساس القانوني لاستمرار وجود هذه العناصر.
ولا ينفصل هذا المشهد عن موجة غضب أخرى شهدتها طرابلس ومدن ليبية خلال الفترة الماضية، مع خروج احتجاجات رافضة للهجرة غير الشرعية وما يصفه محتجون بمحاولات توطين المهاجرين داخل ليبيا، في ظل اعتراضات على استمرار إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر إلى الأراضي الليبية، وعلى سياسات يعتبر المحتجون أنها تسهّل بقاء أعداد كبيرة منهم داخل البلاد بدل إعادتهم إلى دولهم الأصلية. وتحولت القضية بالنسبة إلى شرائح من الشارع من ملف إنساني وأمني إلى سؤال يتعلق بالسيادة والتركيبة السكانية وقدرة الدولة على حماية حدودها وفرض سياسة هجرة واضحة.
كان المشهد كافيًا وحده لإشعال الغضب: مرتزق أجنبي يطالب بمرتبه بالدولار وهو يحمل بندقيته، ومواطن ليبي يعجز عن سحب راتبه بالدينار أو تأمين رغيف الخبز، وفي الوقت نفسه تتصاعد المخاوف الشعبية من بقاء آلاف المهاجرين غير الشرعيين داخل البلاد وإعادتهم من قبل داخلية الدبيبة إليها بعد اعتراضهم في البحر. ليست القضية مالية أو أمنية فقط، بل تتعلق بمعنى السيادة وترتيب الأولويات، وبالسؤال الذي يردده الليبيون منذ سنوات: من يحمي المواطن وحدود الدولة عندما يصبح السلاح هو الطريق الأسرع لتحصيل الحقوق، وتبقى ملفات المرتزقة والهجرة غير الشرعية بلا حلول نهائية؟
قرابة خمسة عشر عاماً من الميليشيات
منذ عام 2011، عاش الليبيون تحت وطأة جماعات مسلحة تتغير أسماؤها وولاءاتها، لكنها تحتفظ بالسلاح والنفوذ والقدرة على تعطيل المؤسسات وإغلاق الطرق والمنشآت. تعاقبت الحكومات، وجرى الحديث مراراً عن دمج التشكيلات وحلها وبناء جيش وشرطة مهنيين، لكن المواطن ظل يسمع أصوات الرصاص في الأحياء ويشاهد المواكب المسلحة والحواجز غير الرسمية.
ومع مرور الوقت، لم يعد السلاح مجرد مشكلة أمنية؛ فقد تمدد في ظل حكومة الدبيبة إلى الاقتصاد والسياسة والإدارة، وأصبح لبعض حامليه نفوذ في الموانئ والمطارات والوقود والعقود والمؤسسات. ولهذا فإن انعدام الأمن لا يعني فقط احتمال اندلاع اشتباك، بل يعني أيضاً أن المال العام والخدمات وقرارات الدولة يمكن أن تخضع لمن يملك القوة، لا لمن يملك الحق.
فساد يتغذى من غياب الشفافية
فوق الأزمات اليومية، تتراكم اتهامات بشأن الاعتمادات المستندية الوهمية، وتهريب السلع المدعومة، والإنفاق غير المنضبط، واحتكار الامتيازات والعقود، وغياب الشفافية عن إيرادات قطاعات حيوية، بينها الاتصالات والوقود. ولا يجوز مهنياً تحويل كل اتهام متداول إلى حقيقة من دون وثائق وأحكام، لكن غياب الإفصاح الحكومي المفصل عن المستفيدين النهائيين والعقود وأوجه الصرف يترك الباب مفتوحاً أمام الشبهات، ويجعل الحكومة مسؤولة عن تقديم الإجابات.
فالدولة التي تطلب من المواطن الصبر مطالبة، في المقابل، بأن تنشر أين ذهبت الأموال، ومن حصل على الاعتمادات، وكيف أُنفقت موازنات الاتصالات والوقود، ومن يراقب حركة السلع المدعومة، ولماذا تتكرر الأزمات رغم التدفقات النفطية. الصمت هنا لا يبدد الاتهامات؛ بل يمنحها مساحة أكبر للنمو.
من تاجوراء إلى الحرشة والجبل.. الشارع يقول «كفى»
خلال الساعات الممتدة إلى الثلاثاء 18 أغسطس، أُغلقت طرق في تاجوراء وطريق الشط ومناطق جنوب غربي طرابلس، وخرج محتجون في الحرشة بالزاوية، كما شهدت منطقتا أولاد طالب وتيجي بالجبل الغربي تحركات احتجاجية على تردي الخدمات والأوضاع المعيشية. أُحرقت الإطارات، وارتفعت الهتافات، ولوّحت مناطق أخرى بتوسيع رقعة الاحتجاج.
لم يخرج هؤلاء للمطالبة بامتيازات استثنائية؛ خرجوا من أجل كهرباء لا تنقطع، وماء لا يمرض أبناءهم، ووقود لا يحتكره المهرب، وخبز يستطيعون شراءه، ودواء يجدونه عند الحاجة، وراتب يمكن سحبه، وطريق لا تحكمه جماعة مسلحة. إنها أبسط وظائف أي دولة، لكنها تحولت في ليبيا إلى قائمة أمنيات.
واللافت أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في مطلب خدمي واحد، بل اتخذت طابعاً سياسياً أوسع، وظهرت هتافات تحمل حكومة الدبيبة مسؤولية تدهور الأوضاع. وهذا التحول هو ما ينبغي أن يقلق السلطة؛ فعندما ينتقل الشارع من سؤال «متى تعود الكهرباء؟» إلى سؤال «لماذا بقيت هذه الحكومة؟»، تكون الأزمة قد تجاوزت حدود الإصلاح الفني.
في مصراتة.. مهرجان مضاء ومدينة تسأل عن الكهرباء
في مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بقيت خيمة الاحتجاج أمام المجلس البلدي شاهدة على اتساع الاعتراض، وتركز جانب من الغضب على مهرجان «العرعار» المقرر تنظيمه بين 18 و22 أغسطس، بمشاركة جهات حكومية ومحلية وتجهيزات ضخمة.
وتداول محتجون وصفحات محلية رقماً يتجاوز الـ70 مليون دينار بوصفه تكلفة للمهرجان، غير أن الجهات المنظمة لم تنشر ميزانية تفصيلية تسمح بالتحقق المستقل من هذا الرقم. لكن غياب الرقم المؤكد لا يلغي السؤال؛ فالمهرجان، في ذاته، ليس جريمة، والثقافة ليست عدواً للمواطن، إلا أن توقيت الإنفاق العام وحجمه وشفافيته تصبح قضايا مشروعة عندما تغرق الأحياء في الظلام ويعجز الناس عن توفير الخبز والدواء.
كان المشهد بالنسبة إلى المحتجين مستفزاً: منصة عملاقة وأضواء واستعدادات احتفالية، في مقابل منازل بلا كهرباء وأسر تحسب ثمن أرغفة الصباح. وعندما تفشل السلطة في شرح أولوياتها، تتحول كل إضاءة على منصة الاحتفال إلى تذكير بمنزل مظلم.
المواطن الذي أصبح دولته الخاصة
على مدى سنوات، تعلم الليبي أن يبحث عن حلول أزماته بنفسه: يشتري مولداً للكهرباء، وخزاناً للمياه، ووقوداً من السوق السوداء، ودواء من الخارج، وتعليماً خاصاً لأطفاله، وعلاجاً في عيادة خاصة، وحارساً لحماية متجره. وعندما يريد راتبه، يبحث عن مصرف توجد فيه سيولة أو يقبل خسارة جزء منه مقابل الحصول على النقد.
يدفع المواطن الضرائب والرسوم وتستند الدولة إلى ثروة نفطية هائلة، لكنه يعود في نهاية اليوم لتمويل بديل خاص عن كل خدمة عامة فشلت الحكومة في توفيرها. وحين يصبح الإنسان مطالباً بأن يكون شركة كهرباء ومصلحة مياه ومصرفاً ومستشفى وجهاز أمن في الوقت نفسه، فإن الدولة لا تكون ضعيفة فحسب؛ بل تكون قد انسحبت عملياً من حياته.
أما إغلاق الطرق، فهو الحل الأخير الذي وجده بعض المواطنين بعدما شعروا بأن البيانات والشكاوى والانتظار لم تعد تصل إلى أحد. وهو حل مؤلم يضر بمواطنين آخرين، لكنه يكشف مستوى اليأس: عندما تغيب قنوات المساءلة الفعالة، يصبح الشارع هو المؤسسة الوحيدة التي يعتقد الناس أنها قد تُسمع صوتهم.
هل بدأت ساعة الخروج عن السيطرة؟
لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت حكومة الدبيبة قادرة على احتواء الغضب، بل إلى متى سيظل المواطن مطالباً بدفع ثمن فشلها. فهذا المواطن لم يكن طرفاً في صفقات السلاح، ولم يستفد من الاعتمادات المشبوهة، ولم يشارك في تقاسم النفوذ والإيرادات، لكنه كان دائماً أول من تصل إليه فاتورة الفساد وآخر من تصله الخدمات.
هو من نام في الظلام بينما أُهدرت المليارات، ووقف أمام المصارف بحثاً عن جزء من راتبه، وطارد الوقود في السوق السوداء، واشترى رغيف الخبز بسعر لم يعرفه من قبل، وخاف من الخضراوات بسبب المبيدات، ومن الماء بسبب التلوث البرازي، ومن المستشفى بسبب غياب الدواء، ومن الطريق بسبب السلاح المنفلت. وحين ضاقت به كل السبل، لم يجد أمامه سوى الشارع ليقول إن ما يحدث لم يعد محتملاً.
لم يولد هذا الغضب في ليلة، ولم تشعله ساعة إضافية من انقطاع الكهرباء؛ إنه حصاد سنوات من الإذلال المعيشي والفشل الحكومي والفساد المحمي بالسلاح. سنوات تحدثت فيها حكومة الدبيبة عن الإنجازات بينما كان المواطن يبني بماله بديلاً عن الدولة: مولداً للكهرباء، وخزاناً للمياه، وعلاجاً خاصاً، وتعليماً خاصاً، ووقوداً من السوق السوداء، حتى أصبح يمول حياته مرتين؛ مرة من المال العام الذي لا يعرف أين يذهب، ومرة من جيبه ليحصل على الخدمات التي كان يفترض أن توفرها الحكومة.
أما الانقسام السياسي الذي طالما استُخدم لتبرير العجز، فلم يعد قادراً على حجب الحقيقة. فحكومة الدبيبة تسيطر على مؤسسات غرب البلاد وموارده وإيراداته، وتتصرف في مليارات الدينارات، ولذلك لا يمكنها التنصل من مسؤولية مدن تغرق في الظلام، أو مواطنين يعجزون عن الحصول على الوقود والخبز والدواء، أو مسلحين يفرضون حضورهم في الشوارع بينما يغيب الأمن عن حياة الناس.
لهذا، لم يكن شعار «كفى» مجرد هتاف غاضب، بل خلاصة مرحلة كاملة سقطت فيها الوعود وفقدت الحكومة ما تبقى من ثقة الشارع. إنه صوت مواطن لم يعد يطلب الرفاهية، بل يقاتل من أجل أبسط حقوقه، ولم يعد ينتظر أن تعترف السلطة بمعاناته بعدما عاشها كل يوم في منزله ومصرفه ومخبزه ومستشفاه.
لقد صبر الليبيون بما يكفي، ودفعوا من أعمارهم وأموالهم وأمن أبنائهم أكثر مما ينبغي لشعب يعيش فوق واحدة من أغنى بقاع أفريقيا. وإذا اتسعت الاحتجاجات خلال الأيام المقبلة، فلن يكون ذلك لأن الشارع خرج عن السيطرة، بل لأن الحكومة فقدت منذ زمن السيطرة على واجباتها، وتركت المواطن وحيداً أمام العتمة والغلاء والمرض والسلاح.
وعندما تصبح الطرق المشتعلة آخر وسيلة أمام الناس لإثبات أنهم ما زالوا موجودين، فالمشكلة ليست في غضب الشارع، بل في سلطة لم تسمع أنينه إلا بعد أن تحول إلى صراخ. وما يجري اليوم في تاجوراء والزاوية والجبل ومصراتة قد لا يكون سوى بداية لحظة يدرك فيها المواطن أن الصمت لم يعد يحميه، وأن حقه الذي لم تمنحه له الحكومة لن يستعيده إلا بصوته.
لقد خرج الناس لأنهم لم يعودوا يملكون شيئاً آخر يخسرونه؛ ولا وقوداً، ولا خبزاً ميسوراً، ولا ماءً آمناً، ولا دواءً مضموناً، ولا سيولة، ولا أمناً. وبعد أن فشلت حكومة الدبيبة في حماية حياتهم التي أصبحوا يصفونها بـ”البائسة”، لم يعد مستغرباً أن يبدأ المواطنون البحث عن خلاصهم بأنفسهم، وأن يتحول شعار «كفى» من كلمة تُكتب على الجدران إلى موجة شعبية قد تكتب النهاية السياسية لحكومة تركت خلفها بلداً غنياً ومواطناً أنهكته الحاجة.
تقارير المرصد – خاص

