فرنسا – عادت أغنية “زمن الأزهار” إلى الرواج في فرنسا بعد نحو 60 عاما على صدورها، عبر مقاطع التواصل والريمكسات الإلكترونية، وأصلها رومانس روسي.
تُستخدم الأغنية اليوم خلفية موسيقية لمقاطع الفيديو في وسائل التواصل الاجتماعي، وتصدر لها ريمكسات إلكترونية، لكن قلة تعرف الطريق الذي قطعته، فكلماتها ولحنها الأصليان ولدا في روسيا، ونالا حياة ثانية في الخارج بفضل مبدعين من المهاجرين الروس.
وقالت رئيسة البعثة الروسية في الجمعية الفرنسية Renaissance Française، زويا أرينّيون، في حديث لوكالة “تاس”: “لا يزال هذا اللحن يلامس قلوب كثيرين في أوروبا، ولا سيما في فرنسا”. وأضافت أن ليس الجميع يربطون هذه الألحان المألوفة بروسيا والاتحاد السوفيتي.
وفي هذا تكمن الغرابة في مصير الرومانس. فالأغنية التي رافقت المهاجرين الروس، وحظيت بمحبة خاصة بينهم، وصارت أحد رموزهم، تحولت مع الزمن إلى نجاح عالمي، واحتفظت بقدرتها على استدعاء الحنين حتى حين تبقى حكاية أصلها في الظل.
داليدا.. أغنية عن الشباب
أتاح عودة الأغنية إلى الحياة في فرنسا المغنية داليدا، واسمها الحقيقي يولاندا كريستينا جيليوتي، وقد ولدت في مصر لعائلة من المهاجرين الإيطاليين.
وبعد 14 عاما من انتقالها إلى باريس وبدء مسيرتها الفنية، قدمت عام 1968 اقتباسها الخاص “Le temps des fleurs”، على خلفية نجاح النسخة الإنجليزية “Those Were the Days” بأداء ماري هوبكن.
أداء داليدا للنسخة الفرنسية Le temps des fleurs
صارت الأغنية من أبرز محطات داليدا، وتجاوزت شعبيتها حدود فرنسا إلى بلجيكا وسويسرا وإيطاليا. وصدرت في العام نفسه على أسطوانة فينيل بيعت منها نحو 192 ألف نسخة، لتنال المغنية بها أسطوانتها الذهبية الثامنة والعشرين. وسجلت داليدا الأغنية لاحقا بلغتها الإيطالية.
أداء ماري هوبكن للنسخة الانكليزية Those Were the Days
وبصوت النجمة الفرنسية، بدا الرومانس أغنية عن الشباب والذكريات وزمن لا يعود. وحافظ اللحن على شجنه المألوف، لكنه اكتسب لدى الجمهور الغربي معنى جديدا.
وترى أرينّيون أن داليدا “أدت هذه الأغنية ببراعة” و”نقلت روحها وحماستها”. وقالت: “ربما لعبت جذورها الجنوبية دورا أيضا، فليس كل أحد يستطيع أداءها كما فعلت داليدا”.
أما أرنو فريلّيه، مدير كونسرفتوار باريس الذي يحمل اسم سيرغي رخمانينوف، فيلفت إلى أن الجمهور الفرنسي يتلقى اللحن قبل كل شيء من خلال أشهر أداء محلي له. وقال لوكالة “تاس”: “لا أستطيع أن أقول إلى أي مدى هي شائعة الآن، لكنني أعتقد أن هذا اللحن يرتبط عند الفرنسيين أولا بأعمال داليدا. الفرنسيون لا يفكرون في أنها أغنية روسية”.
وأشار فريلّيه إلى أن قصة مشابهة حدثت مع الرومانس الغجري “غيتاران” الذي أداه شارل أزنافور، فحتى وجود أسطر باللغة الروسية في مقطعه المكرر لا يمنع المستمعين من النظر إليه أولا بوصفه أغنية من ريبرتوار مغني الشانسون الفرنسي.
فيرتينسكي وحنين روسيا الباريسية
أُلّف الرومانس “على الطريق الطويل” عام 1924، حين وضع الموسيقار الروسي بوريس فومين لحنه على كلمات الشاعر قسطنطين بودريفسكي. وعرف شهرة في روسيا، ثم تجاوز حدود البلاد.
وبالنسبة إلى الروس الذين وجدوا أنفسهم بعيدا عن وطنهم بعد الثورة والحرب الأهلية، لم تكن أغان كهذه مجرد ترفيه، بل ساعدتهم على الحفاظ على صلتهم بالثقافة واللغة وذكريات حياتهم السابقة.

وكان لألكسندر فيرتينسكي، المغني والشاعر والملحن المشهور بصورته المسرحية “بييرو”، مكان خاص في هذه الحكاية. فقد غادر روسيا عام 1920 ووصل إلى باريس عبر تركيا، حيث عاش، بحسب قوله، من أكثر مراحله الإبداعية ثراء في الخارج.
وكان يغني في النوادي الروسية، التي بلغ عددها حينذاك عدة عشرات في باريس، ويلتقي ممثلين عن النخبة الثقافية والاجتماعية الأوروبية.
وقالت أرينّيون: “كانت تلك حقبة ذهبية، حين كان كل ما هو روسي يُستقبل بالتصفيق ويُجَلّ كثيرا. سواء كانت “العيون السوداء” أو “على الطريق الطويل”، يتبادر إلى الذهن فورا العصر الذي كان فيه فيرتينسكي، والنوادي الشهيرة”.
وفي باريس، أدّت الأغنية أيضا أناستاسيا بولياكوفا، نجمة المنوعات قبل الثورة. لكن فيرتينسكي قدم تفسيره الخاص لها، فأضفى عليها صوتا أكثر شجنا. ولقي تسجيله الذي أنجزه عام 1926 في أحد الاستوديوهات الباريسية نجاحا كبيرا لدى الجمهور الناطق بالروسية في الخارج.
الأغنية الروسية “Дорогой длинною” بصوت تمارا تسيريتيلي في تسجيل يعود إلى عام 1925.
ربط بين الأجيال
وبعد قرن على ولادتها، ما زالت الأغنية تصل بين ثقافات مختلفة، فتغنّيها فرق روسية، ويحتفظ بها فنانون في برامجهم، وتذكّر بزمن كانت فيه باريس من أهم مراكز ثقافة المهجر الروسي.
وخلال هذا الصيف، أقيمت في البيت الروسي للعلوم والثقافة في الدائرة السادسة عشرة بباريس أمسية فنية بعنوان “نادي الروح الروسية”، قام المشاركون خلالها برحلة موسيقية في تاريخ باريس الروسية، من أولى المؤسسات المهاجرة في مطلع القرن العشرين إلى النوادي والمطاعم الأسطورية التي غنى فيها الفنانون الروس.
وقال البيت الروسي لوكالة “تاس” إن الأمسية كانت فرصة لتذكر الماضي، وكذلك جسرا بين الأجيال، إذ ذكّرت بدور الموسيقى الروسية في الحفاظ على الذاكرة الثقافية بعيدا عن الوطن.
المصدر: تاس

