بوقرين: النفايات الصحية في ليبيا تهدد الصحة والبيئة وتحتاج إلى برنامج وطني لا «حملة نظافة»
ليبيا – قال عضو المجلس الاستشاري العربي الأفريقي للتوعية الدكتور علي بوقرين إن النفايات الصحية في ليبيا لا تمثل مجرد قمامة، بل منظومة متكاملة ترتبط بالسلامة والصحة العامة والبيئة والأمن الحيوي، تبدأ منذ لحظة إنتاج النفاية داخل المرفق الصحي ولا تنتهي إلا بالتخلص الآمن والنهائي منها.
وأضاف بوقرين، في تصريح لوكالة «سبوتنيك»، أن بعض الأخطاء الصحية يمكن إصلاحها بعد وقوعها، لكن هناك أخطاء لا ينبغي أن تحدث أصلًا لما قد يترتب عليها من عدوى أو تسمم أو إصابات أو تلوث للمياه والتربة والهواء، فضلًا عن المساهمة في انتشار مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية.
الخطر قد يبدأ داخل المستشفى وينتهي في المياه وسلسلة الغذاء
وأوضح بوقرين أن الخطر قد يبدأ بخطأ بسيط داخل مستشفى، ثم ينتقل إلى عامل نظافة أو طفل يعبث بكيس نفايات أو جامع قمامة أو أسرة تقطن بالقرب من مرفق صحي، وصولًا إلى المياه الجوفية والتربة والحيوانات وسلسلة الغذاء.
وأكد أن النفايات الناتجة عن الرعاية الصحية ليست ملفًا ثانويًا في إدارة المستشفيات ولا مهمة هامشية يمكن إسنادها إلى عامل غير مدرك لطبيعة المواد التي يتعامل معها، كما أن مسؤولية المنشأة الصحية لا تنتهي بمجرد خروج أكياس النفايات من بوابتها.
وشدد على أن إدارة هذه النفايات جزء أصيل من جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى ومكافحة العدوى والسلامة المهنية وحماية البيئة وإدارة المخاطر.
15% فقط من النفايات قد تحول المنظومة كلها إلى خطر
وأشار بوقرين إلى تقديرات منظمة الصحة العالمية التي تفيد بأن نحو 85% من نفايات الرعاية الصحية تُصنف نفايات عامة غير خطرة شبيهة بالنفايات المنزلية، في حين يمثل نحو 15% منها نفايات خطرة قد تكون معدية أو سامة أو مسرطنة أو قابلة للاشتعال أو التآكل أو التفاعل أو الإشعاع.
وأوضح أن هذه النسبة، رغم محدوديتها، قادرة على تحويل منظومة النفايات بأكملها إلى مصدر خطر إذا لم يتم فرزها بصورة صحيحة منذ لحظة إنتاجها.
النفايات الصحية ليست نوعًا واحدًا
ودعا بوقرين إلى تغيير النظرة السائدة للنفايات الصحية في ليبيا، موضحًا أنها تشمل النفايات العامة والمعدية والأدوات الحادة والأنسجة والمخلفات الباثولوجية والدم ومشتقاته والمواد الكيميائية والدوائية والسامة للخلايا، إلى جانب المواد المحتوية على الزئبق والمعادن الثقيلة والنفايات المشعة والمخلفات المختبرية والثقافات الميكروبية والعينات والمواد شديدة العدوى.
وأكد أن لكل نوع منها درجة خطر ووسائل مختلفة للفرز والحفظ والنقل والتخزين والمعالجة والتخلص النهائي.
النظافة ليست مسح الأرضيات ورش المعطرات
ورأى بوقرين أن النظافة الحقيقية داخل المستشفى لا تعني مجرد تنظيف الأرضيات أو استخدام المعطرات، بل تقوم على تقييم المخاطر وتحديد الأسطح الأكثر عرضة للمس واختيار مواد التنظيف والتطهير المناسبة وضبط تركيزاتها وأزمنة التماس وطرق الاستخدام والتخزين.
كما شدد على ضرورة تخصيص أدوات التنظيف وفق المناطق المختلفة، ومنع انتقالها من المناطق الملوثة إلى النظيفة.
فصل الأدوية والمواد الكيميائية والنفايات ضرورة
وأكد بوقرين ضرورة الفصل بين مخازن الأدوية والمواد الكيميائية ومواد التنظيف والمستلزمات والنفايات، مع توفير التهوية المناسبة وضوابط الوصول ومكافحة الحرائق واحتواء الانسكابات ووضع ترميز واضح لكل مادة.
وأشار إلى أهمية التعامل مع الأدوية المرتجعة والمنتهية الصلاحية والمتضررة وفق مسار موثق منذ إخراجها من الخدمة وحتى التخلص النهائي منها.
وشدد على أن النفايات المشعة لا يجوز إدخالها ضمن منظومة النفايات الطبية التقليدية، بل يجب أن تخضع لإجراءات خاصة تحت مسؤولية المختصين في الوقاية الإشعاعية والجهات التنظيمية.
كما حذر من التخلص من النفايات الكيميائية في شبكات الصرف أو خلط المواد غير المتوافقة، مؤكدًا أن النفايات الدوائية والسامة للخلايا تحتاج إلى مسارات منفصلة وآمنة.
دعوة إلى برنامج وطني وخريطة للمخاطر
ودعا بوقرين إلى إنشاء برنامج وطني متكامل لإدارة النفايات الصحية يبدأ بجرد المستشفيات والمصحات والمختبرات وبنوك الدم ومراكز الأشعة والطب النووي والأورام والغسيل الكلوي والصيدليات والعيادات.
وأوضح أن البرنامج ينبغي أن يتضمن تحديد كميات النفايات وأنواعها ومساراتها الحالية ومواقع التخزين والمعالجة والنقل، وصولًا إلى إعداد خريطة وطنية للمخاطر.
تشريع وعقوبات على الحرق العشوائي والخلط
وطالب بوقرين بإصدار تشريع وطني شامل يحدد المسؤوليات منذ لحظة إنتاج النفاية وحتى التخلص النهائي منها، وينظم عمليات التصنيف والتخزين والنقل والمعالجة والتوثيق والتفتيش والتراخيص.
كما دعا إلى تحديد مسؤوليات المنشآت الصحية وشركات النقل والمعالجة وفرض عقوبات على خلط النفايات الخطرة بالعادية أو حرقها عشوائيًا أو التخلص منها في المكبات العامة أو مجاري المياه أو نقلها دون ترخيص.
مراكز إقليمية ونظام لتتبع النفايات الخطرة
وشدد بوقرين على ضرورة إنشاء مراكز إقليمية مرخصة لمعالجة أنواع محددة من النفايات، إلى جانب تطوير نظام معلومات وطني يسمح بتتبع النفايات الخطرة ومعرفة مصدرها ومسار نقلها وكيفية معالجتها ومكان التخلص منها.
ودعا كذلك إلى اعتماد مؤشرات لقياس مستوى الالتزام بالفرز والتدريب، ورصد حوادث وخز الإبر والانسكابات ونسب المعالجة الآمنة.
المصارف والتشريعات ليست كافية دون منظومة سلامة متكاملة
وأكد بوقرين أن ليبيا لا تحتاج إلى «حملة نظافة للمستشفيات»، بل إلى مشروع وطني يعيد تعريف النفايات الصحية باعتبارها منظومة سلامة تبدأ بالتشريع والتخطيط والهندسة، وتمتد إلى مكافحة العدوى والصحة المهنية وحماية البيئة والاستجابة للأوبئة.
وأوضح أن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم النظام الصحي هو معرفة كيفية استخدام كل ما يدخل إلى المرفق الصحي، وتحديد مصير كل ما يخرج منه، بما يمنع تحول المنشآت التي يفترض أن تعالج المرضى إلى مصدر للمرض أو التلوث أو العدوى.
«الكتاب الأزرق» مرجع أساسي لأي مشروع وطني
وأكد بوقرين أن دليل منظمة الصحة العالمية المعروف بـ«الكتاب الأزرق» لإدارة نفايات أنشطة الرعاية الصحية يمثل المرجع المحوري الذي ينبغي الاستناد إليه في أي مشروع ليبي بهذا المجال.
وأشار إلى أن الدليل يتضمن إرشادات تتعلق بتقليل النفايات وفرزها وتخزينها ونقلها ومعالجتها والتخلص النهائي منها، إلى جانب مياه الصرف والسلامة المهنية ومكافحة العدوى والتدريب والاستجابة للطوارئ والأوبئة والتغير المناخي.

