وفرة الموارد لا تنعكس على معيشة الليبيين
ليبيا – قال رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي حلمي القماطي إن تفاقم الفقر في ليبيا يعكس اختلالات في إدارة الثروة وتوزيعها والسياسات الاقتصادية، وليس نقص الموارد، محذرًا من تراجع القدرة الشرائية رغم الإيرادات النفطية، ومشددًا على ضرورة التحقق من مصدر ومنهجية الرقم المتداول بشأن وصول نسبة من يعيشون عند خط الفقر إلى نحو 42%.
التناقض بين الثروة النفطية ومستوى المعيشة
وأوضح القماطي، في تصريحات لوكالة الأنباء الليبية «وال» بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر، أن الأزمة المعيشية لا تُفسر بارتفاع الأسعار وحده، بل بالسياسات النقدية والمالية والاقتصادية التي أضعفت القوة الشرائية، رغم موارد ليبيا التي يفترض أن تتيح للأسر مستوى معيشة أفضل.
وأضاف أن الخلل يكمن في إدارة الموارد وتوزيع عائداتها وضعف كفاءة الإنفاق وغياب سياسات تحول الإيرادات النفطية إلى تنمية مستدامة وفرص عمل وتحسن ملموس في رفاه المواطنين.
الفقر يُقاس بالقدرة على تلبية الاحتياجات
وأشار إلى أن قياس الفقر لا يقتصر على الراتب الاسمي، بل يشمل قدرة الأسرة الحقيقية على شراء الغذاء والدواء والسكن والخدمات، مؤكدًا أن ارتفاع الأسعار دون نمو موازٍ للدخل يخفض القيمة الحقيقية للمرتبات ويجعل ما كان يكفي الأسرة سابقًا غير كافٍ اليوم.
الإنفاق والاستيراد وأسعار الصرف
وربط القماطي ضغوط المعيشة بالاختلالات المالية والتوسع غير المنضبط في الإنفاق الجاري والاعتماد الواسع على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي واضطراب سوق الصرف وتعدد أسعار النقد الأجنبي وتكاليف الحصول عليه.
وأوضح أن آثار انخفاض الدينار أو زيادة تكلفة الدولار تنتقل إلى أسعار السلع والخدمات في اقتصاد يعتمد على الواردات، ما يجعل اضطراب سوق الصرف يمس الأمن المعيشي لكل أسرة، حتى إذا لم تتعامل مباشرة بالعملات الأجنبية.
زيادة المرتبات والسيولة لا تكفي لعلاج الأزمة
وحذر من اختزال الأزمة في نقص السيولة أو إمكان حلها بضخ الأموال وزيادة المرتبات، معتبرًا أن ضخ السيولة دون ضبط الإنفاق وتحسين الإنتاجية ومعالجة عوامل العرض والطلب على النقد الأجنبي قد يزيد التضخم.
وأشار إلى أن الزيادة الاسمية للأجور قد تتآكل سريعًا إذا لم تترافق مع استقرار الأسعار وتحسن الإنتاجية.
الحاجة إلى اتساق السياسات الاقتصادية
وشدد على ضرورة التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والتجارية، موضحًا أن مصرف ليبيا المركزي لا يستطيع بمفرده تحقيق الاستقرار وسط إنفاق عام غير منضبط وطلب متزايد على العملات الأجنبية، كما لا يمكن استدامة السياسة المالية إذا خضعت الإيرادات النفطية والإنفاق العام للمصالح والحسابات قصيرة الأجل بدل قواعد مستقرة.
رقم 42% يحتاج مصدرًا ومنهجية واضحة
وقال القماطي إن ما يُتداول عن وصول نسبة السكان عند خط الفقر إلى نحو 42% يمثل، إن ثبت، إنذارًا اجتماعيًا واقتصاديًا بالغ الخطورة، لكنه أكد أن اعتماد الرقم علميًا يتطلب تحديد مصدره وسنة القياس والمنهجية التي استُخدمت في تعريف خط الفقر.
ودعا إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية تقيس الفقر النقدي ومتعدد الأبعاد وتفاوت كلفة المعيشة بين المناطق والفئات الاجتماعية، معتبرًا أن خطورة الأزمة لا تبرر التساهل في دقة الأرقام.
إصلاحات لحماية القوة الشرائية والحد من الفساد
واقترح مواجهة الفقر عبر حماية القوة الشرائية للدينار وتحسين إدارة الإيرادات النفطية وترشيد الإنفاق دون تحميل محدودي الدخل كلفة الاختلالات، وإصلاح سوق الصرف ومكافحة الفساد والريع ودعم الإنتاج المحلي وشبكات حماية اجتماعية دقيقة تستهدف المستحقين.
واختتم بالقول إن المشكلة الاقتصادية الحقيقية تكمن في امتلاك الدولة موارد كبيرة مع عجز جزء من السكان عن تأمين احتياجاتهم، مشددًا على أن معيار الثروة هو ما تحققه من أمن معيشي وكرامة وعدالة في الفرص، لا مجرد حجم الإيرادات العامة.

