تقرير يرصد الجذور الليبية لموسيقى البوب المصرية
ليبيا – رأى تقرير فني نشره موقع «أوكي أفريكا» الأميركي أن كثيرًا من محبي موسيقى البوب المصرية، التي عادت إلى الواجهة بعد تراجع بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، لا يدركون التأثير الليبي في نشأة هذا اللون الغنائي. وأشار إلى أن نحو عشرة ألبومات ليبية صدرت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين ولم تشتهر عالميًا، ساهمت في تكوين أسلوب موسيقي انتشر لاحقًا في مصر.
الموسيقى الحرة وإعادة إصدار التسجيلات
وأوضح التقرير، الذي تابعت صحيفة المرصد أبرز ما ورد فيه وترجمته، أن شركة «حبيبي فنك» ومقرها ألمانيا أعادت إصدار أغنيات لفرقة «الموسيقى الحرة» الليبية، التي مزجت الموسيقى الغربية مع تراث شمال أفريقيا، وجمعت إيقاعات الباس القوية وآلات السينثسايزر الراقصة بالشعر العربي الليبي التقليدي.
ونقل عن الفنان أحمد الشعيبي قوله إن موسيقى ليبية كهذه تلقى حماسًا في اليمن والمغرب والسعودية، مع أن كثيرًا من المستمعين لا يعرفون مصدرها، وإن أغنيتين أو ثلاثًا من ألبوم «لو كان» إما مستوحاة من أعمال فرقة «ذا فري ميوزيك» أو إعادة تقديم لها، معتبرًا أن هذه التجارب مترابطة.
الشاب عراب وحميد الشاعري وأسلوب الجيل
وأشار التقرير إلى قلة معرفة الجمهور بالشاب عراب، الموسيقي الليبي الذي انتقل إلى القاهرة خلال الثمانينيات وقدم ألبومه الشهير المكون من ثماني أغنيات، في مقابل شهرة حميد الشاعري، منتج «لو كان»، بوصفه الأب الروحي لموسيقى «الجيل» التي قادها الشباب وغيرت عادات الاستماع في العالم العربي وأصبحت أحد أسس البوب المصري المعاصر.
وأوضح أن الشاعري، الذي درس في بريطانيا، تعرف إلى آلات السينثسايزر والإيقاع الإلكترونية، ثم أدخلها إلى أعماله في خروج عن الأسلوب السائد.
الأغاني القصيرة ومزيج المقسوم والألحان الليبية
ونقل عن الباحث الليبي المقيم في لندن يوسف الصاوي أن ابنة أخيه اكتشفت الشاب عراب عبر التواصل الاجتماعي وأدركت أنه ليبي، فأعاد ذلك إلى ذهنه بدايات هذا اللون. وقال إن ملحنين عربًا كثيرين كانوا يقدمون أغنيات تمتد إلى نصف ساعة، بينما لفت الشاعري الأنظار إلى أغانٍ أقصر، رغم الانقسام المبكر حول أسلوبه.
ورأى التقرير أن تقليص مدة الأغاني وإضافة السينثسايزر والآلات الغربية، مع الاحتفاظ بإيقاع «المقسوم» المصري والألحان الليبية التقليدية، جعل موسيقى الجيل جذابة للشباب الباحثين عن بديل للغناء العربي الكلاسيكي والموسيقى الغربية، ووسع المساحة الفنية أمام موسيقيين آخرين.
عمرو دياب وهشام عباس وعلي حميدة وإعادة الإنتاج
وذكر أن فنانين مصريين، بينهم عمرو دياب وهشام عباس وعلي حميدة، تبعوا الأسلوب الذي قاده الشاعري، وأن بنية الأغاني وتقنيات إنتاجها التي طورها في الثمانينيات ما زالت تؤثر على أعمال البوب.
وأشار إلى استخدام الفنانة الإثيوبية المصرية المقيمة في لندن «عليوية» مقتطفات من «لو كان»، وإصدار الفنان الفلسطيني الجزائري «سانت ليفانت» نسخة من «وين معدي»، فضلًا عن إعادة تداول ألبوم الشاب عراب الوحيد وإنتاج نسخ معدلة منه.
وأضاف أن أغاني عراب تُشغّل حاليًا في حفلات منسقي الموسيقى والتجمعات المنزلية والحفلات العامة في بلدان المنطقة وأوساط الجاليات المغتربة.
الصاوي يتذكر موسيقى الحافلات في ليبيا
واستذكر الصاوي سماعه موسيقى الشاب عراب للمرة الأولى في حافلات النقل العام بليبيا خلال التسعينيات، حين كان الوصول إلى الجامعة يتطلب رحلة مدتها ساعة ونصف وركوب حافلتين، ما أتاح له الاستماع إلى أنواع موسيقية متعددة.
وقال إن شركات الأشرطة كانت توزع تسجيلات مجانية على سائقي الحافلات، وإنه اشترى شريط الشاب عراب من أحد السائقين فور سماعه، مشيرًا إلى أن أغاني حميد الشاعري كانت تتداول بالطريقة نفسها خلال حقبة إنتاج البوب العربي في مصر.
من أبناء إفريقيا إلى عيونها ورحيل
وأوضح التقرير أن حميد الشاعري وُلد في بنغازي لأب ليبي وأم مصرية، وبدأ اكتساب شهرته عضوًا مؤسسًا في فرقة «أبناء إفريقيا» خلال السبعينيات، قبل انتقاله إلى مصر.
وأصدر ألبومه الأول «عيونها» عام 1983، الذي اعتبره التقرير سابقًا لعصره لكنه لم يحقق نجاحًا تجاريًا، ثم حقق ألبومه الثاني «رحيل» عام 1984 إشادة نقدية ونجاحًا تجاريًا واسعًا.
وقال أحمد الشعيبي إن كثيرين يجهلون أن أحد مؤسسي البوب المصري ليبي الأصل، معتبرًا أن الشاعري أثبت موهبته وحقق نجاحًا في مصر، ومتمنيًا لو أبرز بصورة أكبر صلة موسيقاه بالتراث الشعبي الليبي.
الديسكو والريغي والفانك والموسيقى الليبية البديلة
وبحسب الشعيبي، تأثرت موسيقى الجيل بالموسيقى الليبية البديلة التي مزجت الديسكو والسينث بوب والموجة الجديدة والريغي والفانك الغربية بالإيقاعات المصرية والمقامات والألحان الشرقية.
وأشار إلى أن الشاعري استلهم أعمال نجيب الحوش وفرقته «ذا فري ميوزيك» وأحمد فكرون، وأن الفنانين الثلاثة تعاونوا في تجارب ساعدت على بناء جوهر موسيقى الجيل.
وأضاف التقرير أن آلات لوحات المفاتيح والإيقاع الإلكترونية حلت تدريجيًا محل الأوركسترا الكبيرة، مع استمرار الاعتماد على المقامات الشرقية وإدخال العود والصاجات ضمن الصوت الجديد.
الجفرة وطرابلس ودرنة وأغاني الشتاوة
وتناول الشعيبي والصاوي تأثيرات محلية تمتد من الجفرة إلى طرابلس ودرنة وأغاني «الشتاوة» في شرق ليبيا. ووصف الصاوي الشتاوة بأنها تقليد في بنغازي يتضمن مبارزات شعرية يدور خلالها المشاركون في حلقة ويرقصون ويصفقون، بما يترك إيقاعًا مسموعًا في الأغنيات.
ولفت الشعيبي إلى تشابه الغناء والتصفيق في أغنية حميد الشاعري «عيني» مع إيقاعات الشتاوة والجفرة، معتبرًا أن الطابع التشاركي الذي تحمله الموسيقى الليبية يسهم في شمول موسيقى الجيل وجاذبيتها.
واختتم التقرير بالإشارة إلى استمرار أثر هذه الموسيقى، من رقص الجمهور في لندن على أنغام الشاب عراب إلى تفاعل مستخدمي «تيك توك» مع أغنيات الشاعري.
ترجمة المرصد – خاص

