تقرير: القوائم السوداء وحدها لا تكفي لمواجهة التهرب الضريبي في ليبيا

القوائم السوداء وحدها لا تكفي لمواجهة التهرب الضريبي في ليبيا

ليبيا – تساءل تقرير تحليلي نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية بشأن مدى كفاية ما تم وصفه بـ”القوائم السوداء” لمكافحة ظاهرة تفشي التهرب الضريبي في ليبيا.

إجراءات عقابية وتشدد رسمي

التقرير الذي تابعته صحيفة المرصد تناول تلويح السلطات في غرب البلاد بتصعيد إجراءاتها ضد المتهربين ضريبيًا من خلال إعداد قوائم سوداء للمخالفين واستحداث جهاز جديد باسم “الشرطة الضريبية”، في خطوة تعكس تشددًا رسميًا متزايدًا تجاه ظاهرة تقول حكومة الدبيبة إنها تستنزف موارد الدولة وتحد من قدرتها على تعزيز الإيرادات غير النفطية.

ووفقًا للتقرير، يأتي هذا التوجه في وقت يرى فيه متابعون للشأن الاقتصادي أن الإجراءات العقابية، رغم أهميتها، لن تكون كافية بمفردها لمعالجة الظاهرة في ظل بيئة إدارية وسياسية معقدة تتطلب إصلاحات أوسع، تشمل توحيد المؤسسات وتعزيز الشفافية وتطوير المنظومة الضريبية والحد من البيروقراطية.

الحاجة إلى إصلاحات أوسع

وبحسب التقرير، يؤكد المتابعون أن من شأن هذه الإصلاحات رفع كفاءة التحصيل وتقليص فرص التهرب في بلد يعيش انقسامًا سياسيًا وأمنيًا منذ أكثر من عقد، فيما نقل التقرير عن رئيس مصلحة الضرائب في غرب ليبيا، محمد إدريس، تأكيده أن إنشاء “الشرطة الضريبية” يأتي لمنح السلطات أدوات ضبطية وإجرائية أوسع.

ونقل التقرير عن الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري قوله إن القوائم السوداء والعقوبات الأخرى، رغم وجاهتها النظرية، تصطدم بواقع معقد يتداخل فيه الفساد مع ضعف مؤسسات الدولة، ما يجعل مواجهة التهرب الضريبي والجمركي أكثر صعوبة.

وأضاف الفيتوري أن من أمثلة هذه الصعوبات الانتشار الواسع للفواتير المزورة والإقرارات المالية الوهمية، إذ تحتاج إلى جهد كبير في تتبعها، وهو ما لا يتلاءم مع الأوضاع الراهنة، مؤكدًا أن الانقسام السياسي يفاقم صعوبة فرض أي إجراءات رقابية أو عقابية في ظل غياب سلطة موحدة قادرة على التنفيذ والمتابعة.

أسباب بنيوية للتهرب

وأكد التقرير أن التحذيرات الأكاديمية تتزايد منذ سنوات من اتساع ظاهرة التهرب الضريبي في ظل تحديات بنيوية تواجهها المنظومة الضريبية، فيما خلص مؤتمر علمي نظمته جامعة سرت إلى أن تعقيد النظام الضريبي وضعف الثقة بين المكلفين والإدارة المعنية يعدان من أبرز أسباب التهرب.

وأشار التقرير إلى دور الاقتصاد الموازي وضعف الثقافة الضريبية في تغذية الظاهرة، في وقت خلصت فيه دراسة أكاديمية أعدها أستاذ القانون بجامعة طرابلس، منصور الفيتوري حامد، إلى أن غياب العدالة الضريبية وضعف الضمانات القانونية للممولين يساهمان بشكل مباشر في تفشي التهرب.

وتابع التقرير أن الدراسة بيّنت أيضًا أن ضعف الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية وتعقيد الإجراءات والاعتماد على سياسات تقليدية تشكل بيئة خصبة لاستمرار التهرب، داعية إلى تحديث التشريعات وتبسيط الإجراءات وتعزيز حقوق الممولين، إلى جانب تشديد الرقابة وتطبيق القانون.

التقديرات الجزافية وفجوة الثقة

بدوره، قال المحامي محمد بن دردف إن التقديرات الجزافية التي تفرضها الجهات الضريبية على الممولين، لا سيما العاملين في القطاع الخاص، غالبًا ما تتجاوز حجم مداخيلهم الفعلية، ما يفاقم الأعباء المالية عليهم ويدفع كثيرين إلى اللجوء للتهرب الضريبي باعتباره سلوكًا عامًا.

وأضاف بن دردف أن هذا السلوك فرضته الضغوط الاقتصادية وغياب آليات التقدير العادلة، ما يعني أن استمرار هذه السياسات قد يوسع فجوة الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية، فيما يرى أكاديميون ومراقبون أن أي نجاح في تقليص التهرب الضريبي سيظل مرهونًا بقدرة ليبيا على توحيد مؤسساتها وبناء نظام ضريبي أكثر كفاءة وعدالة، في ظل الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.

تحديث التشريعات والتحول الرقمي

وأضاف التقرير أن مؤتمر جامعة سرت العلمي أوصى بتسريع التحول الرقمي في التحصيل، وتطوير الأنظمة المحاسبية، وتوسيع الدفع الإلكتروني، إلى جانب تدريب الملاكات الضريبية وتعزيز حملات التوعية.

وبحسب التقرير، خلص الفيتوري إلى أن القوانين والمنظومة المعمول بها في ليبيا لا تزال تستند إلى تشريعات تعود إلى عهد العقيد الراحل معمر القذافي، وهو ما يفرض الحاجة إلى مراجعة شاملة للهيكل الضريبي بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية الراهنة في البلاد.

واختتم الفيتوري بالتأكيد أن طبيعة الأعمال والأنشطة وشريحة الممولين الخاضعين للضرائب شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات الماضية، ما يتطلب تحديث التشريعات الضريبية لتواكب الواقع الاقتصادي الجديد وتحقق قدرًا أكبر من العدالة والكفاءة.

المرصد – متابعات

 

Shares