تقرير أسترالي: المنفي يكرر شعارات الوطنية والمصالحة فيما ليبيا تؤجل الدولة إلى الخطاب التالي
ليبيا – وصف تقرير تحليلي نشره موقع “أوز عرب” الأسترالي الناطق بالعربية رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بأنه بات يتكسب من العمل السياسي، معتبرًا أنه اكتشف مع الوقت وصفة سياسية بسيطة تقوم على الإكثار من الحديث عن الوطنية حتى ينسى الناس السؤال عمّا قدمه فعليًا للبلاد.
وبحسب التقرير الذي تابعته صحيفة المرصد، كان مأمولًا بعد سقوط نظام معمر القذافي إثر ثورة 17 فبراير 2011 أن تنطلق ليبيا في مسار بناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات وسيادة القانون، إلا أن ما حدث، وفقًا لما أورده، كان مختلفًا تمامًا، مع بروز طبقة سياسية جديدة بدت أكثر مهارة في البقاء في السلطة منها في بناء الأمة، يتصدرها المنفي.
المصالحة كشعار دائم
وأوضح التقرير أن المنفي يواصل الحديث بلا كلل عن المصالحة الوطنية، حتى باتت العبارة تتكرر في كل خطاب تقريبًا، وكأن ليبيا تعاني من نقص في الكلمات لا من غياب القرارات، مضيفًا أن المصالحة أصبحت حاضرة في كل اتجاه إلى حد يكاد معه الليبيون يصدقون أن للرجل بوصلة لا تشير إلا إلى هذا المصطلح.
لكن التقرير يرى أن المشكلة لا تكمن في الكلمة نفسها، بل في الاتجاه الذي تشير إليه هذه البوصلة، إذ لا تقود، بحسب ما ورد فيه، إلى مصالحة وطنية حقيقية بقدر ما تقود إلى ما يشبه مصالحة المصالح، في سياسة تعطي الأولوية للتوازن على حساب الحقيقة، وللمجاملة على حساب الدولة، وللصفقات على حساب المبادئ.
شفافية غائبة وسوق مفتوحة للمكاسب
وأضاف التقرير أن المشهد يزداد سخرية حين يتحدث المنفي عن الشفافية بينما تصبح القرارات السياسية أكثر غموضًا، ويعلن تمسكه بالوطنية في وقت تبدو فيه السياسة أقرب إلى سوق مفتوحة للمكاسب الشخصية، في مفارقة قال التقرير إن حدتها تتصاعد كلما ابتعد الواقع أكثر عن هذه الشعارات.
وتابع أن رجل الدولة تكون له بوصلة واحدة هي مصلحة الدولة، إلا أن بعض السياسيين في ليبيا، بحسب التقرير، اكتشفوا بوصلات أكثر مرونة، تشير أحيانًا إلى التوازن، وأحيانًا أخرى إلى الحسابات الشخصية، وأحيانًا، كما يسخر الليبيون، إلى إغراء الدولار حيث تلتقي المصالح وتُحسم الصفقات.
إدارة الأزمة بدل حلها
ورأى التقرير أن هذه البوصلة لا تقود إلى بناء الدولة، بل إلى إطالة أمد الأزمة، لأن الدولة تحتاج إلى قرارات واضحة ومواقف صريحة، فيما لا تنتج إدارة التوازنات سوى مزيد من الجمود، وهو الجمود الذي يزدهر فيه السياسيون كلما طال، بعدما تعلموا كيف يديرون الأزمة من دون أن يقتربوا من حلها.
ولفت التقرير إلى أن المشهد الليبي بات أشبه بمسرح سياسي تتكرر فيه المشاهد نفسها: خطابات عن الأمة، وتصريحات عن الشفافية، وإعلانات عن المصالحة، فيما لا يكاد يحدث شيء، وكأن الدولة تحولت إلى مشروع مؤجل دائمًا إلى الخطاب التالي.
الفرق بين السياسي ورجل الدولة
وأكد التقرير أن التاريخ لا يكتب بالخطب، بل بالقرارات، وأن الأمم لا تُبنى بالشعارات بل بالقدرة على تحمل مسؤولية السلطة، مشيرًا إلى أن الفارق الجوهري يكمن بين سياسي يدير التوازنات ليبقى في موقعه لأطول فترة ممكنة، ورجل دولة يتخذ ما يلزم من قرارات لخدمة بلاده حتى لو دفع ثمن ذلك من موقعه.
وأضاف أن القيادة لا تقاس بعدد الخطابات، بل بمقدار ما قطعته الدولة من تقدم خلال فترة الحكم، معتبرًا أنه لو كان معيار القيادة هو البلاغة وحدها، لكان المنفي أحد أنجح قادة ليبيا في التاريخ، لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا بكثير عندما يكون المعيار الحقيقي هو بناء الدولة.
جيل جديد يرفض الشعارات
وأشار التقرير إلى أن جيلًا مختلفًا تمامًا يبرز داخل المجتمع الليبي، يختلف عن النخب التي أدارت المرحلة السابقة، وهو جيل وطني شاب لم يعد يرى السياسة وسيلة للنفوذ، بل مسؤولية تاريخية، ويدرك أن الدولة لا تُبنى بعقلية المجاملات السياسية، وأن المصالحة الحقيقية لا تعني إرضاء الجميع، بل إقامة دولة عادلة للجميع.
وختم التقرير بالقول إن هذا الجيل لا يبحث عن خطابات جديدة عن الوطنية، بل عن ممارسات تجسدها، ولا يريد شعارات عن الشفافية، بل سياسات واضحة يمكن للجمهور من خلالها محاسبة المسؤولين، مضيفًا أن السؤال القاسي الذي يواجه المنفي اليوم لا يتعلق بما يقوله عن نفسه، بل بالاتجاه الذي سارت فيه البلاد تحت قيادته، لأن ليبيا، بحسب التقرير، لا تحتاج بوصلة جديدة للكلمات، بل بوصلة حقيقية تقود إلى الدولة.
المرصد – متابعات

