المجريسي: إعمار ليبيا الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان وربط التعليم بسوق العمل
ليبيا – قال الخبير والأكاديمي الليبي المتخصص في إدارة الموارد البشرية فرج المجريسي إن بناء الإنسان يمثل الركيزة الأساسية لضمان استدامة التنمية، معتبرًا أن النهضة لا تتحقق بالبنية التحتية وحدها، بل تتطلب رأس مال بشريًا مؤهلًا قادرًا على إدارة المشاريع وتشغيلها وتطويرها.
تحولات بنغازي
وأوضح المجريسي، في تصريحات خاصة لوكالة “سبوتنيك”، أن المتجول في مدينة بنغازي يلاحظ حجم التحولات العمرانية التي تشهدها، من طرق حديثة وجسور وأبراج ومشروعات تنموية تعكس، وفق قوله، إرادة حقيقية لإعادة الإعمار بعد سنوات من التحديات، مشيرًا إلى أن هذه المشاهد تبعث على التفاؤل وتعزز الآمال بمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
وأضاف أن هذا المشهد يطرح في المقابل سؤالًا لا يقل أهمية عما يُنجز على الأرض، يتعلق بالجهات والكفاءات التي ستتولى إدارة هذه المشاريع، مؤكدًا أن جوهر التنمية لا يكمن في تشييد المباني فقط، وإنما في إعداد الإنسان القادر على تشغيلها وإدارتها وتطويرها.
رأس المال البشري
وأكد المجريسي أن التجارب التنموية أثبتت أن الدول لا تنهض بالبنية التحتية وحدها، بل برأس المال البشري المؤهل، موضحًا أن بناء مشروع قد يستغرق سنوات قليلة، بينما يحتاج إعداد الكفاءات التي تضمن نجاحه واستدامته إلى رؤية بعيدة المدى واستثمار مستمر في التعليم والتدريب وتنمية المهارات.
وأشار إلى أن الاستثمار في الإنسان لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه بديلًا عن الاستثمار في البنية التحتية، بل يمثلان مسارين متكاملين، غير أن نجاح أي مشروع عمراني أو اقتصادي يظل مرهونًا بجودة الكفاءات التي تديره.
وبيّن أن المستشفى يحتاج إلى كوادر طبية وإدارية مؤهلة، والمصرف إلى قيادات قادرة على إدارة المخاطر والابتكار، والمصنع إلى مهندسين وفنيين يمتلكون المعرفة والخبرة، فيما تحتاج الجامعة إلى باحثين وأساتذة يصنعون المعرفة قبل نقلها.
فجوة التعليم والعمل
ورأى المجريسي أن من أبرز التحديات التي تواجه ليبيا اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، موضحًا أن كثيرًا من المؤسسات تواجه صعوبة في استقطاب الكفاءات المناسبة، في وقت يعاني فيه آلاف الشباب من البطالة، ليس بسبب قلة الفرص فقط، بل نتيجة عدم توافق المهارات المتاحة مع متطلبات سوق العمل المتغيرة.
وشدد على أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتدريب وتنمية المهارات لم يعد مطلبًا اجتماعيًا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية.
بيئة عادلة للكفاءات
وأوضح أن ليبيا لا تعاني نقصًا في الطاقات البشرية، بل تزخر بآلاف الشباب المتميزين داخل البلاد وخارجها، غير أن هذه الطاقات تحتاج إلى بيئة عمل عادلة تتيح الفرص على أساس الكفاءة، وتربط التوظيف والترقي بالإنتاج والجدارة، إلى جانب دعم البحث العلمي وريادة الأعمال والابتكار، بما يجعل البقاء والعمل داخل الوطن خيارًا جاذبًا للكفاءات.
ورأى أن الحد من هجرة العقول لا يتحقق بالشعارات أو الدعوات العاطفية، وإنما بتوفير بيئة يشعر فيها الباحث والمهندس والطبيب والأكاديمي ورائد الأعمال بأن جهده محل تقدير، وأن مستقبله المهني يمكن أن يتحقق داخل بلده، مشيرًا إلى أن الكفاءات غالبًا ما تغادر بحثًا عن فرص أفضل لتحقيق ذاتها، لا بسبب افتقادها الانتماء إلى أوطانها.
استراتيجية وطنية
ودعا المجريسي إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة للاستثمار في رأس المال البشري، تبدأ بإصلاح منظومة التعليم وربطها باحتياجات الاقتصاد، وتعزيز التدريب المهني، ودعم البحث العلمي، وتطوير سياسات حديثة لإدارة الموارد البشرية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، مع إشراك القطاع الخاص بوصفه شريكًا رئيسيًا في إعداد الكفاءات الوطنية.
وأكد أن التنمية المستدامة لا تُقاس بعدد الأبراج أو طول الطرق التي تُشيّد، وإنما بقدرة الإنسان الليبي على إدارة هذه المشاريع وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
واختتم المجريسي حديثه بالتأكيد أن بناء مدينة قد يكون ممكنًا خلال سنوات، لكن بناء جيل قادر على قيادتها يحتاج إلى مدة أطول، معتبرًا أن الإعمار الحقيقي لا يبدأ من الخرسانة، بل من المدرسة والجامعة ومراكز التدريب، لأن الإنسان هو أصل التنمية وغايتها والثروة التي لا تنضب.

