اليوم العالمي للطهاة.. مهنة تجمع الفن والابتكار والتراث الغذائي

روسيا – يحتفل العالم في 20 أكتوبر باليوم العالمي للطهاة، تكريما لأصحاب مهنة تحوّل إعداد الطعام إلى فن يجمع التقاليد المتوارثة والتقنيات الحديثة والخيال الإبداعي.

ولم يعد الطاهي المعاصر مجرد شخص يتقن إعداد الوجبات، بل بات يحتاج إلى معرفة بالمكونات وخصائصها، وفهم للتغذية وطرق الطهي، وقدرة على ابتكار أطباق تجمع المذاق والتوازن والجمال، فضلا عن دوره في حفظ التراث الغذائي ونقله إلى الأجيال الجديدة.

من المطابخ القديمة إلى المدارس المتخصصة

تعود جذور المهنة إلى عصور بعيدة، حين كان إعداد الطعام للقصور والمعابد والجيوش يتطلب مهارات تتجاوز العمل المنزلي.

وفي روسيا، تذكر سجلات تاريخية مطبخ دير كييفو بيتشيرسكي عام 1074، فيما يرد اسم تورشين في الروايات المرتبطة بالأمير غليب فلاديميروفيتش بوصفه أحد الطهاة العاملين في خدمته.

ومع تطور المجتمع، بدأت المعرفة المتعلقة بالطهي تنتقل من الخبرة العملية والوصفات المتوارثة إلى الكتب والتعليم المنظم. ففي عام 1779، صدرت في موسكو “مذكرات الطهي” لسيرغي دروكوفتسيف، وهي من أوائل كتب الوصفات المطبوعة باللغة الروسية.

وفي بطرسبورغ، افتُتحت مدرسة متخصصة بالطهي في مارس 1888، بمبادرة من الأستاذ إيفان أندرييفسكي والطاهي دميتري كانشين، في خطوة عكست تنامي الاهتمام بتعليم المهنة بصورة منهجية.

ومن الأسماء التي تركت أثرا في الثقافة الغذائية الروسية ويليام بوخليبكين، الباحث السوفيتي الذي تناول في مؤلفاته تاريخ المطابخ والعادات الغذائية، وأسهم في تعريف القراء بتنوع المطبخ الروسي وتقاليده.

كولينا.. حكاية متداولة عن أسطورة المطبخ

ترتبط بعض الروايات الشائعة عن فنون الطهي بحكاية كولينا، التي تصوّرها بوصفها شخصية رمزية مرتبطة بالمطبخ وإعداد الطعام. وتربط هذه الرواية اسمها بالكلمة اللاتينية “culina”، التي تعني المطبخ، كما تذهب إلى أن الرومان رفعوها إلى مرتبة ربة إلهام عاشرة، أطلقوا عليها اسم “كوليناريا”.

لكن هذه الحكاية لا تستند إلى أدلة تاريخية موثوقة تثبت وجود ربة بهذا الاسم ضمن ربات الإلهام في الميثولوجيا اليونانية أو الرومانية القديمة. لذلك تبقى أقرب إلى أسطورة متداولة عن فن الطهي وأصل تسميته، لا حقيقة تاريخية مؤكدة.

من القبعة البيضاء إلى مطابخ الملوك

لم تكن مكانة الطهاة ثابتة عبر التاريخ؛ ففي بعض البلاطات الملكية، شغل المسؤولون عن المطابخ مواقع مهمة ضمن نظام القصر، خصوصا حين كانت الولائم الكبرى تستلزم إعداد الطعام لأعداد كبيرة من الضيوف والعاملين.

أما قبعة الطاهي البيضاء، التي أصبحت من أبرز رموز المهنة، فترتبط صورتها الحديثة بتقاليد المطابخ الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

ويُذكر الطاهي الفرنسي ماري أنطوان كاريم ضمن الشخصيات التي أسهمت في ترسيخ شكلها المعروف. وإلى جانب مظهرها التقليدي، ترتبط أغطية الرأس في المطابخ المهنية بقواعد النظافة وسلامة الغذاء، وإن كانت أشكالها تختلف باختلاف المؤسسات والبلدان.

اليوم العالمي للطهاة.. مهنة تجمع الفن والابتكار والتراث الغذائي
الأشكال المختلفة لقبعات الطاهي 

واليوم، تضم المطابخ المهنية اختصاصات متعددة، من الطهاة ومساعديهم إلى صانعي الحلويات والخبازين وخبراء تنسيق الطعام، فضلا عن العاملين في تعليم فنون الطهي وتطوير تقنياته.

أطباق غريبة تكشف تنوع ثقافات الطعام

لا تقتصر حكايات المطبخ العالمي على الوصفات الشهيرة، فبعض الأطباق تثير دهشة الزوار بسبب مكوناتها أو طرق إعدادها أو روائحها القوية. وما يبدو غريبا في ثقافة ما قد يكون جزءا مألوفا من تقاليد غذائية راسخة في ثقافة أخرى.

في اليابان، تشتهر سمكة الفوغو باحتوائها على سموم شديدة الخطورة، ويتطلب إعدادها معرفة متخصصة والتزاما بقواعد السلامة المعمول بها، لأن الخطأ في تجهيزها قد يؤدي إلى تسمم قاتل.

وفي الصين، تُعرف بيضات المئة عام، وهي بيضات تُعالج بطرق تقليدية على مدى أسابيع أو أشهر، فتتغير ألوانها وقوامها ونكهتها. ولا يعني اسمها أنها تُحفظ مئة عام، بل يشير إلى مظهرها الداكن وطريقة تحضيرها التي تمنحها خصائص مختلفة عن البيض الطازج.

أما في السويد، فيشتهر طبق “سورسترومينغ”، المصنوع من سمك الرنجة المخمر والمعلب، برائحته النفاذة. ويُعد تناوله تجربة غير مألوفة لكثيرين، حتى إن العبوة تُفتح غالبا في الهواء الطلق أو في مكان جيد التهوية.

وفي آيسلندا، يحضر “هاوكارل”، وهو لحم قرش يُعالج ويُجفف وفق طرق تقليدية للتخلص من المركبات التي تجعل لحمه الطازج غير صالح للأكل. ويتميز الطبق برائحة ونكهة قويتين تجعلان تقبله مسألة ذوق مكتسب.

وفي جزيرة سردينيا الإيطالية، يثير جبن “كاسو مارزو” الاهتمام بسبب طريقة تخميره باستخدام يرقات ذبابة الجبن. وقد ارتبط إنتاجه وبيعه بقيود ومخاوف تتعلق بسلامة الغذاء، ما جعله من أكثر الأطعمة إثارة للجدل.

وتكشف هذه الأمثلة أن المطبخ لا يعكس الذوق وحده، بل يتأثر أيضا بالبيئة المحلية وطرائق حفظ المكونات وتاريخ المجتمعات، وأن اختلاف العادات الغذائية قد يحوّل الطبق المألوف لدى مجموعة من الناس إلى تجربة صادمة بالنسبة إلى آخرين.

يوم للاحتفاء بالمهنة وتعليم الأجيال الجديدة

أُطلق اليوم العالمي للطهاة عام 2004 بمبادرة من الطاهي بيل غالاغر، الرئيس السابق للرابطة العالمية لجمعيات الطهاة “وورلدشيفز”.

وتهدف المناسبة إلى تقدير العاملين في المهنة، وتشجيع نقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة، وتعزيز الوعي بأهمية التغذية الصحية والاستدامة في إنتاج الطعام واستهلاكه.

وتشمل أنشطة المناسبة ورش الطهي والمسابقات المهنية والعروض العملية، إلى جانب فعاليات تعليمية للأطفال تتيح لهم التعرف إلى المكونات ومصادرها، وتجربة إعداد أطباق بسيطة، وفهم العلاقة بين الغذاء والصحة والبيئة. كما يمكن أن تتضمن مبادرات مجتمعية وخيرية لإعداد وجبات للمحتاجين أو الحد من هدر الطعام.

وفي عام 2026، تركز حملة الرابطة العالمية لجمعيات الطهاة على تشجيع الأطفال على استكشاف الطعام ومكوناته، والتعرف إلى كيفية زراعتها أو حصادها، وفهم أثر الخيارات الغذائية في الصحة والاستدامة.

وبين وصفة تنتقل من جيل إلى آخر وطبق مبتكر يستعين بأحدث تقنيات الطهي، تظل مهنة الطاهي مساحة يلتقي فيها الفن والعلم والذاكرة الثقافية. فالمكونات ليست مجرد مواد تُجمع في طبق، بل تحمل قصصا عن المكان والناس والعادات، فيما تمنح مهارة الطاهي هذه القصص شكلا جديدا يصل إلى المائدة.

المصدر: RT